من اليرموك إلى كوبلنز: حين يُستدعى الجلاد إلى العدالة العالمية

0

العدالة لا تموت… حتى لو تأخرت

في سابقة قانونية جديدة، وجّه مكتب الادعاء العام الاتحادي في ألمانيا تهماً ثقيلة إلى خمسة رجال سوريين يُشتبه في ارتكابهم جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في دمشق، خلال فترة الحصار الوحشي الذي فرضه نظام الأسد والميليشيات المتحالفة معه على المدنيين.

 تأتي هذه التطورات في إطار الولاية القضائية العالمية، وتُعدّ خطوة مفصلية في محاسبة جرائم الحرب المرتكبة في سوريا.

كوبلنز على موعد مع جراح اليرموك:

المتهمون الخمسة – أربعة عناصر من ميليشيا “حركة فلسطين الحرة” الموالية للأسد، وعميل سري يُعتقد بانتمائه إليها – قيد الاحتجاز منذ تموز/يوليو 2024. ويواجهون اتهامات تتعلق بـ:

●      قتل متظاهرين سلميين في تموز/يوليو 2012

●      تعذيب مدنيين خلال عمليات قمع المظاهرات

●      الحصار والتجويع الممنهج لسكان اليرموك

●      استخدام أساليب حرب محظورة

من المنتظر أن تقرر محكمة كوبلنز الإقليمية العليا خلال الأسابيع المقبلة ما إذا كانت القضية ستُحال إلى المحاكمة.

 وفي حال ذلك، ستكون هذه المحاكمة من أبرز القضايا المرتبطة بجرائم نظام الأسد التي تصل إلى محكمة أوروبية.

اليرموك: جريمة حصار موثقة:

منذ أواخر 2012، تعرض مخيم اليرموك، المعروف بـ”عاصمة الشتات الفلسطيني”، لحصار مطبق من قبل قوات النظام والميليشيات الحليفة.

وبحلول عام 2015، كان المخيم قد تحوّل إلى ميدان موت بطيء:

●      قطعٌ تامٌ لإمدادات الغذاء والدواء والمساعدات الإنسانية عن نحو 18 ألف مدني

●      أكثر من 200 حالة وفاة بسبب الجوع ونقص الرعاية

●      تدمير شبه كامل بفعل القصف بالبراميل المتفجرة

●      استخدام واضح للجوع كسلاح لإجبار المدنيين على الاستسلام

يقول الناجي أيهم أحمد، موسيقي من اليرموك:

“لن أنسى أيام الحصار. كنا نأكل العشب ونشرب ماء المطر. خذلنا العالم، ومات منّا المئات جوعاً ومرضاً. هذه المحاكمة تمنحني أملاً في أن نُسمَع أخيرًا”.

محاكمات ألمانيا: جسور عدالة لم تُبْنَ في سوريا بعد:

سبق أن أدانت المحاكم الألمانية عناصر تابعين للنظام أو للميليشيات الموالية له:

●      في شباط/فبراير 2023، أُدين عنصر ميليشيا ألقى قنبلة على مدنيين ينتظرون مساعدات أممية

●      في حزيران/يونيو 2025، حُكم على الطبيب العسكري “علاء م.” بالسجن المؤبد بعد إدانته بتعذيب وقتل معتقلين في حمص

ومع ذلك، لم تُحقق أي محكمة ألمانية حتى الآن في الحصار الشامل لمخيم اليرموك كجريمة ممنهجة. وهو ما يأمل المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان (ECCHR) في تغييره من خلال الدعم القانوني للضحايا والناجين.

يقول أندرياس شولر، مدير قسم العدالة الدولية في المركز:

“نأمل أن تُغلق هذه الإجراءات القانونية فجوةً كبيرة في المحاسبة. ما حدث في اليرموك كان سياسة ممنهجة، وليس مجرد حادثة معزولة”.

العدالة الانتقالية تبدأ من الخارج:

يرى المدافعون عن حقوق الإنسان أن هذه القضايا قد تساهم في تشكيل أساس قانوني لمحاسبة مجرمي الحرب في سوريا المستقبل.

يقول فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان:

“نفتقر في سوريا إلى منظومة عدلية مستقلة. لكنّ هذه المحاكمات في أوروبا تشكّل دفعة خارجيّة مهمة يمكن البناء عليها لاحقاً داخل سوريا”.

المركز الأوروبي والشبكة السورية لحقوق الإنسان، إلى جانب منظمات أخرى، يعملون منذ أكثر من عقد على توثيق الجرائم وجمع الأدلة، بانتظار لحظة تتوفر فيها بنية قانونية عادلة داخل سوريا.

من برلين إلى دمشق: لا أحد فوق القانون:

رغم مرور أكثر من عشر سنوات على حصار اليرموك، لا تزال آثاره حيّة في ذاكرة سكانه، في قاعات المحاكم الألمانية، يُعاد بناء هذه الذاكرة بصيغة قانونية، تُحول الشهادات إلى حجج، والآلام إلى أدلة.

قد تكون العدالة بطيئة، لكنها لا تُنسى، ولا تُمهل الجناة إلى الأبد. إن فتح ملف اليرموك أمام قضاء أوروبي مستقل هو خطوة أخلاقية وقانونية ضرورية، تُذكرنا أن الجوع لا يجب أن يُستخدم سلاحاً، وأن المحاصرين يستحقون أكثر من الصمت.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني