
مركوز في الأعماق
نظراتُها تشي بسؤال.. انتظرتُ… تتابعُ حركة المشط بيدي ينغرز وئيداً في شعر جدّتها وهي تجلس مطمئنة، ويتسلّل بين خصله يسرّحها. في رأسها يضجّ تساؤل يفضحه بريق عينيها. أعرف ذلك مذ كانت صغيرة تدرج وهي تراقبني وأنا أقرأ كتاباً، أو أعدّ بحثاً، أو أحضر درساً للغد، فلا تصبر على الجلوس صامتة، فتتحرك ببطء، وتشدّ ثيابي لأرفعها فتعتلي كتفيّ، وتتشبّث بشعري، وتؤرجح رجليها، وتهمز بكعبيها صدري هيّا قم اركض فأجري بها وهي تقهقه، وأحياناً تجعلني أتطامن فتركب على ظهري، وتنكز خاصرتي لأسرع بالمشي، وضحكتها تملأ البيت فتغضبُ أمُّها، وتمسكها وترفعها فتثور مستنجدة لأقول: دعيها فلن تجد حصاناً أفضل من جدّها..
– ما فعلتُها أنا…
– هي غيرك …، وأنطلق بها…
حشريّة – كعادتها – لا تستطيع الصّمت، ابتسمتْ عندما التقت العيون.. أتحبّها…؟!
– وبعد تسعة وأربعين عاماً من العشرة تسألين…؟
– وقبلها…؟
– ست سنوات
– أتقولانها حتى الآن؟
– ياشقيّة ما تقصدين؟
– أحبّك
– كثيراً أيام الخطوبة…، العشرة – يا حبيبتي – تختطف لغة الكلمات، وتفصح عنها بالحركات والإشارات، تتذكّرين دمعتها المحبوسة – في السنة الماضية – وأنا مريض.. لهفتها إذا ما تألّمتُ.. مسحها وجهي من العرق.. تغطيتي خشية البرد.. سرعتها تلبية طلباتي.. نومها على الأرض جانب سريري…، سيرنا – حتى اليوم – وهي تتأبط ذراعي في الشارع کأننا شباب.. كلامنا همساً، واللقيمات التي نلفّها ونتبادلها أمامكم جميعاً أثناء النزهات في فصلي الربيع والصيف أو على المائدة…، أليست هذه الإيماءات تعبيرات غير منطوقة؟
– نعم، إنها أصدق المعاني
– المحبّة تكمن في النفوس، وتنبع من القلوب، وتتكلم بلمعان الأحداق، وتبتسم بهفهفة الرموش، وتتدثر ببسمات الشفاه، وتشرق وضاءة على وجنات الوجوه…
– وهل تستمر كما هي…؟
– ما زلت أتذكّركِ وأنتِ تركضين مسرعة نحوي، ترمين نفسك في حضني، وتضمينني وتلثمين وجنتي، ولما شببت عن الطوق صرت تأتين ماشية تقبّلين رأسي.. لم أتغير، ولم تتبدلي، والمكان نفسه وما دمتِ تحبينني، تُرى فما الذي تحوّل؟
– هل لأني كبرتُ؟
– أجل، الزمن، والعمر، والنضج الفكري كلّها تؤثر، وتترك بصمة جديدة، والمحبّة تتجذر لتورق وتزهر، وتثمر…
نهضتْ.. طوّقتني ومنحتني قبلة كما كانت تفعلها وهي طفلة، وتناولت المشط.. وانثنت على جدّتها.. مسحت على رأسها، وشرعت تمشطها…