مجلس الشعب اليوم بين الشرعية الرمزية والانتقال الحقيقي: أيّ طريق تختار سوريا؟

0

أجريت انتخابات مجلس الشعب، وسط ترقّب واسع وتشكيكٌ متزايد: هل تشكّل هذه الانتخابات علامة تحولٍ حقيقية نحو مشاركة سياسية أوسع؟ أم أنها خطوة أخرى ضمن مسلسل إعادة إنتاج الشرعية الشكلية؟ الحقيقة أن الإجابة لن تظهر بين ليلة وضحاها، لكن ما نراه اليوم هو بداية اختبار عمليٍّ حقيقيٍّ يُفضي إلى نتائج واضحة خلال الأسابيع أو الأشهر القادمة.

الإعلان الدستوري: بين النصّ والواقع

منذ صدور الإعلان الدستوري، بدا أن طريقة تشكيل المجلس والمهام المنوطة به تُعدّ محاولة لإضفاء شرعية على قرارات الهيئات الحاكمة. الإعلان ينصّ على أن للمجلس صلاحيات للنظر في التشريعات والرقابة، لكن النصّ المتاح لا يوضح بدقّة ما إذا كان يحقّ للمجلس عزل الحكومة أو محاسبة وزير أو مراقبة مالية حقيقية، أو ممارسة صلاحيات تنفيذية مستقلة. هذه الأسئلة الجوهرية تُخمّن بأن الدور الحقيقي للمجلس سيُحدَّد من خلال ما سيفعله فعلاً، لا من خلال ما ورد في الإعلان فقط.

الاختبار العملي: الزمن كقاضٍ

حين يبدأ المجلس في ممارسة صلاحياته، سيكون الزمن هو القاضي الأعلى. إذا بدأ في تشريع قوانين مهمة، ومساءلة حكومية، وطرح نقاشات عامة، فربما تثبت التجربة أن هناك نية جدية للتغيير. أما إذا تحوّل المجلس إلى مجرد واجهةٍ لتصديق قرارات السلطة، أو إلى أداة لاستنساخ القوانين القديمة، فسنكون أمام استمرارية للشرعية الشكلية من دون تغيير جوهري.

تمثيل المجتمع أم الإقصاء؟

من أبرز الانتقادات التي تُثار اليوم أن تشكيل المجلس لم يشمل قسماً كبيراً من مكونات المجتمع السوري. ليس الأمر مقتصراً على المعارضة المعروفة أو الفصائل البارزة، بل المجتمع بأسره، من طوائفٍ محليّة إلى مجموعات مدنية وثقافية لم يُجرَ حوار سياسي معها قبل الانتخابات. هذا الإقصاء يمكن أن يُضعف شرعية المجلس من الداخل، ويحول أي نقاش سياسي داخلي إلى حوار محدود أو أحادي الصوت.

هل بإمكان هذا المجلس أن يصبح ساحةً للحوار الوطني؟ أم سيبقى ساحةً للموالين فقط؟ إذا وقفتم أمام المرآة بعد بضعة أسابيع، وربّما أشهر، فستعرفون الجواب: هل يناقش المجلس السياسة التعليمية، أو الصحة، أو المناقَصات، أو العقود الكبرى، بموضوعية؟ أم يُمرّر القوانين كما تُمرَّر من قبل؟ الأداء الفعلي هو المعيار الأصدق.

السلطة والرقابة: من يناقش من؟

أنتظر أن ترى في الأيام القادمة كيف ستتم المصادقة على قوانينٍ وزارة جديدة، أو محاربة الفساد، أو طرح الأسئلة البرلمانية العامة. ولكن السؤال الأهم: هل يُسمح للمجلس بأن يمارس دوراً رقابياً فعلياً؟ هل يُمكنه دعوة وزراء للسؤال والمحاسبة؟ إن لم يحدث ذلك، فستتضح طبيعة هذا المجلس سريعاً: هل هو برلمان شكلي أم برلمان فعلي؟

الشفافية وسؤال المال والقوانين الكبرى

من القضايا الأعمق اليوم: من يُقرِّر مناقصات الحكومة؟ من يراقب الصفقات؟ أيّ الجهات ستتحمّل المساءلة؟ هذه الأسئلة هي التي ستحدد مصداقية المجلس. إذا وضعت السلطة نفسها تحت رقابة المجلس، وسمحت بمناقشات مفتوحة أمام الشعب، فستكسب ثقة. أما إذا واصلت الإدارة في تحميل التشريعات للمجلس دون أن تُخضع نفسها للمساءلة، فستبقى الشكوك قائمة.

النهاية: دعوة للتريث والمراقبة الفعالة

لا أستطيع أن أؤكّد اليوم أن انتخابات مجلس الشعب ستؤدي إلى انتقالٍ سياسي حقيقي. لكني أرى أن الأمور متجهة نحو اختبارٍ صادقٍ، وأن الشفافية والأداء والمشاركة الفعلية ستكون القضاة الحقيقيين لهذا التحول. إن كان هناك تغيير، فسيعلن عن نفسه بأفعالٍ لا ببياناتٍ. وإن بقي المجلس أداةً شكلية، فسنراه سريعاً في مواقفٍ تتكرّر فيها نفس الأساليب القديمة.

فلنراقب معاً، ولنطالب بالمساءلة، ولنجعل هذا المجلس اختباراً حقيقياً لجدوى التغيير.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني