مجلس الشعب القادم… بين إرث الماضي ومتطلبات الحاضر

0

مع اقتراب الانتخابات البرلمانية في سوريا، يطرح السؤال نفسه: هل سيكون المجلس القادم منصة فعالة للتشريع والرقابة والمساءلة، أم سيقتصر دوره على التمثيل الرمزي الشكلية؟

هذه التساؤلات تفرض ضرورة تقييم التجارب التاريخية السابقة واستشراف الاحتياجات الحالية للشعب السوري من البرلمان.

الإرث التاريخي للبرلمانات السورية

بعد الاستقلال (1946–1949)، شهدت سوريا فترة برلمانية متميزة اتسمت بالجرأة والمساءلة. كان النواب قادرين على ممارسة الرقابة على الحكومة بصراحة، ولم يكن الوزراء أو رئيس الجمهورية بمنأى عن الاستجواب والمحاسبة.

رغم أن بعض الحكايات الشعبية، مثل استجواب الرئيس شكري بيك القوتلي بشأن استخدام زوجته لإحدى سيارات القصر الجمهوري، “لم تُسجَّل في المصادر الأكاديمية”، فإن تداولها يعكس شعور المجتمع بأهمية نزاهة المال العام وسريان القانون على الجميع، بما في ذلك رأس الدولة.
هذا الإرث التاريخي، على قصره، يمثل معياراً يمكن مقارنته بالواقع الحالي لتحديد مدى فاعلية البرلمان وأدواره الحقيقية.

الواقع الحالي وتحديات البرلمان السوري

على مدار عقود، أدت السياسات الاستبدادية إلى تعطيل دور البرلمان، وتحويله إلى واجهة شكلية في كثير من الأحيان. في ظل هذه الظروف، لم يعد يكفي تقييم المرشح استناداً إلى خلفيته العائلية أو معاناته الشخصية، إذ إن معظم السوريين تأثروا بالنزوح أو الاعتقال أو فقدان الأقارب، ما يجعل تحويل التضحيات إلى أداة للتسويق الانتخابي استغلالاً للآلام العامة.

الواقع الراهن يتطلب مجلساً قادراً على:

  • ممارسة الرقابة والمساءلة على الحكومة بكفاءة.
  • وضع تشريعات فعالة تلبي احتياجات المواطنين.
  • إعادة الثقة في المؤسسات العامة وتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة.

المعايير الأساسية للمجلس البرلماني المنشود

يمكن تلخيص المتطلبات الرئيسية للنواب المنتخبين في النقاط التالية:

  1. الكفاءة والنزاهة:
    1. امتلاك المؤهلات العلمية والخبرة العملية اللازمة لاتخاذ القرارات الحكيمة وإدارة الشؤون العامة بفاعلية.
  2. التمثيل الشعبي الحقيقي:
    1. القدرة على تمثيل إرادة المواطنين بصدق وموضوعية، بعيداً عن الولاءات الشخصية والمحسوبيات، مع الإشارة إلى أن الآليات الانتخابية الحالية قد لا تضمن ذلك بشكل كامل.
  3. الاستقلالية والشجاعة:
    1. القدرة على مواجهة الضغوط السياسية والمصالح الضيقة، واتخاذ قرارات تخدم الصالح العام دون التنازل عن المبادئ.
  4. الرؤية الوطنية الشاملة:
    1. العمل على تحقيق العدالة الانتقالية، ودعم إعادة الإعمار، ووضع حلول عملية للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية، بما يسهم في تعزيز التنمية المتوازنة وتقليص الفجوة التنموية بين المحافظات.
  5. إنتاج حكومة مهنية:
    1. ضرورة وجود نواب من أصحاب الاختصاص والتكنوقراط، قادرين على تطوير سياسات مؤسسية فعالة تسهم في تحسين أداء الدولة وإنتاج حلول مستدامة لمشكلات المجتمع.

الخاتمة والتوصيات

إن المجلس البرلماني المنشود هو ذلك المجلس الذي يكرّس التضحيات التاريخية للشعب السوري، ويطبق مبادئ الرقابة والمساءلة على أعلى المستويات، ويسهم في سن تشريعات تعزز العدالة الاجتماعية، وتضمن التنمية المتوازنة بين المحافظات، وتعيد الحقوق لأصحابها.
سوريا بحاجة إلى برلمان يخرج من حدود الشكلية ويصبح أداة حقيقية لتحقيق تطلعات المواطنين، وإعادة بناء مؤسسات الدولة وفق أسس مهنية، وطنية، وقادرة على مواجهة التحديات المستقبلية.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني