
ما حقيقة وأهداف العقوبات الغربية؟
إننا نقصد بالطبع العقوبات الاقتصادية والمالية والإجراءات البنكية التي يتمّ اتخاذها وفرضها بحقِّ وضدّ بعض الدول أو الجهات أو حتى الشخصيات الرسمية والعامة.
ولقد تمّ تحديد العقوبات بالغربية ونقصد بذلك الولايات المتحدة الأمريكية وكبرى الدول الغربية، لإن هذه الدول هي عيناً التي تمارس هذه العقوبات، حيث يتم استغلال المقدرات الاقتصادية الهائلة وآلية عمل وسير النظام العالمي، التي سهّلت لهذه الدول السيطرة على ماكينات الاقتصاد والمال والبنوك.
وسوف نقوم بتقييد هذا البحث وتخصيصه بالحديث عن الحالة السورية، لإن سورية قد اقترنت بالعقوبات منذ عقود طويلة، ولكن، وبالعودة إلى الوراء، فمن المعلوم أنه قد تمّ فرض وتطبيق عقوبات ضد سورية منذ زمن رئيس النظام الأسبق حافظ الأسد، لأسباب تتعلق باتهامات صورية وخلّبية قد تم نسبتها له.
أي بمعنى دقيق، بأن هذه العقوبات هي بسبب سياسة السلطة الحاكمة برئاسة حافظ الأسد، ولكن في حقيقة الأمر فإن هذه العقوبات كانت موجهةً حصراً ضد الشعب السوري المغلوب على أمره، والذي كان يرزح ويكابد تحت سلطة النظام الدكتاتوري المجرم، الذي تمّ توظيفه وتثبيته من قبل فارضي العقوبات أنفسهم، وكانت النتيجة هي فقر ومعاناة وحرمان الشعب السوري، أما السلطة التي هي السبب، فقد بقيت تتمتع بكامل حريتها وتنعم بالرفاه والبذخ، أما رئيس النظام حافظ الأسد فقد بقي يسرق ويستولي على أموال ومقدرات سورية وشعبها، حتى فاقت أرصدته هو وعائلته المئة مليار دولار، وهي موزعة في بنوك كثيرة في دول عديدة في شرق العالم وغربه وجنوبه وشماله، ثم تمّ متابعة نفس السياسة مع وريث حافظ وهو ابنه المعتوه بشار، ويجب أن يعلم الجميع بأن نخب الشعب السوري الحقيقي تعلم وتدرك وتعي بأن هذه العقوبات كانت من مستلزمات تشغيل نظام الأسد وعائلته، حيث كانت اهداف هذه العقوبات هي:
1- إكمال وإخراج أكذوبة المقاومة والممانعة الممجوجة التي كانت حامل النظام وسلاحه.
2- التغطية على فساد وفشل النظام بإدارة البلاد، وتأمين أدنى متطلبات العيش والحياة، وتقديم ذريعة ومبرّر للقول بأن كلّ التدهور والضعف هو بسبب المقاومة ومقابلة ذلك بالعقوبات المعادية.
3- إضعاف وإرباك وتعطيل الشعب السوري وحجبه عن التكنولوجيا.
وبما أن فكرة العقوبات واستخدامها هي من أسس ومن أدوات السياسة الأمريكية، فقد استمر استخدامها ولكن بأساليب متطورة، فرغم انتهاج النظام السوري السابق لممارسات قمعية إرهابية إجرامية، ورغم المجازر والمذابح وعمليات العزل والتطهير الطائفي والتهجير والتغيير الديمغرافي، وحتى استخدام السلاح الكيماوي والأسلحة المحرّمة ضد الشعب واستمراره في ذلك، فلم تصدر عقوبات غربية رادعة حتى مرور أكثر من اثنتي عشرة سنة على قيام الثورة السورية، ثم صدرت العقوبات الأمريكية وقانون ما سمّي بقانون قيصر، وقد صدرت إعلاميا ضد النظام السابق المخلوع، ولكن في الواقع لم يكن لهذه العقوبات آثار ونتائج تتناسب مع حجم الجرائم، إلى درجة أننا نظرنا إلى هذه العقوبات بريبة وتخوّف من أغراضها، حتى قال بعضهم عند صدور هذه العقوبات (من المفضّل بل يتوجب على الشعب السوري أن يبدأ منذ الآن بالمطالبة بإزالة هذه العقوبات).
ثم بعد فترة طويلة نسبياً على إصدار العقوبات، ولأسباب وعوامل عديدة، فقد تمّ إسقاط نظام بشار الأسد المعاقب والمعنيّ بهذه العقوبات، ولكن لم يتم إسقاط هذه العقوبات!!
نعم لم يتم إلغاء وطيّ هذه العقوبات رغم سقوط وغياب المعاقَب بها. والمطلوب لتحقيق العقوبات بحقه وهذا مخالف للقانون وللمنطق، ما أكّد لنا ما كنا نظنه، وأظهر أن مخاوفنا كان مبرّرة ومحقّة حيث أنّه تمّ الإبقاء على هذه العقوبات، وتمّ استخدامها واستغلالها للمقايضة والابتزاز وفرض شروط ضد السلطة الجديدة المؤقتة، وفي الواقع هو ضد الشعب السوري، ويعارض مصالحه، وقد تمّ ذلك بشكل مخالف لقانون قيصر ولفحواه وأهدافه، ومخالف للقانون العام، ولأصول المحاكمات أيضاً، وذلك بسبب اختلاف وتغيّر الطرف الذي تمّ تطبيق العقوبات ضده، وبسبب فرض شروط ليس لها علاقة وصلة بفحوى قانون قيصر.
وقد استهدفت الشروط أطرافاً ليس لهم علاقة بالقانون الأصلي وتناولت وفرضت قضايا ومسائل مختلفة مثل فرض إجراءات لصالح بعض مكونات الشعب السوري، وإن هذه القضايا هي أمور مختلفة تماماً وإن ما جرى فعلاً هو ابتزاز ومقايضة إذعانية، وإلا فإن مجرمي النظام السابق موجودون ومعروفة عناوينهم وأمكنتهم، وهم مجرمون ومدانون وفق القانون الدولي وقوانين جميع دول العالم، فلماذا لم يتم تطبيق القانون ضدهم؟
كما أن أموال الشعب السوري التي سرقها النظام السابق وأزلامه موجودة، ويجب أن تكون أصولها وحساباتها معروفة، فلماذا لم يتم استعادتها ومنحها للدولة السورية لاستخدامها في إعادة الإعمار؟
وهناك الكثير من الوقائع الفظيعة، فعن أي عقوبات سوف نتحدث؟ وماذا سنتوقع من ضغوط للإقرار بحق السوريين بأموالهم المسروقة وبحقهم باستعادتها؟
وأخيراً: إننا نقول هذا الكلام ليس لكي نتحدث عن المؤامرة التي يتذمر من ذكرها بعض المراهقين، ولكن لكي نقول: أيها المتفيقهون المتفذلكون نحن نعلم بأن المصالح هي التي تحرك سياسات وممارسات الدول، ولكن هنا نرغب بتكرار وتأكيد رسالة الشعب السوري الجديد، والمتحرّر للمرة المئة إلى الدول الفاعلة واللاعبة وإلى شعوبها : إن مصالحكم هي حصراً مع الشعب السوري، ولم تعد مصالحكم مع أنظمة حكم وظيفية، وأنّ هذا الشعب قد نضج وتعلّم من دروس بليغة ومكلفة وأصبح يتوجب عليكم احترامه، واحترام وتقدير وعيه و نضجه، وكونوا متأكدين إنه لم يعد بإمكانكم تصوير الاحتلال والاستعمار والاستغلال بأنه ( انتداب وأخذ باليد).
ولم يعد بمقدوركم الظهور بصفة الإنسانيين والديمقراطيين والمطالبين بالعدالة وبحقوق الإنسان، لأن النظام السابق بقي يقتل الشعب ويستعبده خمسين سنة وأنتم تساندونه وتحتفظون به وتطيلون بقاءه الدامي والفظيع.
إننا نطالبكم ونطالب شعوبكم ومجالس شعوبكم بفتح صفحات جديدة، والبدء بالحوار والتشارك الحضاري، وإنهاء الصدام والتسلّط المعادي.