ماذا حول مشروع كوردستان وجزئه في سورية؟

0

نعم هكذا هو السؤال الذي يغطي كامل القضية بجذرها ويعبّر عن حقيقة الأمر، حيث أن فقاعات (قسد أو مسد) وحتى مفرقعات الفيدرالية واللامركزية والحكم الذاتي كلها أكاذيب وخداع وذر رماد في العيون للتمويه والتشويش على حقيقة المسألة والتي هي: أنه كان هناك مشروع مكتمل الخطط والتصورات ومدعوم بالإرادة والعزيمة لإنشاء كوردستان الكبرى وبالطبع إن هذا المشروع هو أمريكي بفكرته وتنفيذه وأهدافه، وهو من اهم خطط الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط الجديد بهدف إعادة بناء التوازنات وضبط القوى لخدمة مصالح الإمبراطورية الأمريكية.

ولكن وباختصار: ان الأمريكان وبسبب الحرب في أوكرانيا وخدمة لها ولعوامل الانتصار فيها فقد قرّر الأمريكان إيقاف وتجميد المشروع ولكن الأمريكان أبداً لم يقرّروا إنهاء أو إلغاء المشروع، وبناءً على هذه الجملة الأخيرة يجب على الأطراف المعنية والمتأثرة أن تعمل وأن ترسم سياستها وخططها، ولا نأتي بجديد إذا قلنا إن الدولة التركية هي أول وأكثر الأطراف تأثراً بالمشروع وهي الأكثر فهما وإدراكا لهذه النقطة.

ولذلك فإن الذي حدث بالضبط هو أن الأمريكان أوقفوا وجمّدوا مشروع كوردستان مرحليّاً والسبب الرئيسي والأهم لذلك التجميد هو عدم إغضاب وإزعاج تركيا والخشية من خسارتها وعدم مناصرتها للناتو ولأوكرانيا بل خشية تأييدها لروسيا، والسبب الرئيسي لأهمية تركية ماعدا قوتها في حلف الناتو هو موقعها الجغرافي الهام وتحكمها بمضيق البوسفور وهو ممر روسيا الرئيسي نحو العالم.

ولأن تركيا تعرف أن تجميد الأمريكان لمشروع كوردستان هو إجراء مرحلي وتكتيكي وأن موقف الأمريكان قابل للتغيّر والانقلاب في أي وقت ولذلك قام الأتراك بالاستغلال العاجل لهذه الفرصة الذهبية الغير قابلة للتكرار وضغطوا على الأمريكان بكل قواهم وأدواتهم وأوراقهم مستغلين استمرار الحرب في أوكرانيا حتى انتزعوا من الأمريكان قرار ترك الانفصاليين الكوردسانيين وإيقاف دعمهم وإعطاء الضوء الأخضر لمهاجمتهم ومنع توسعهم وتغولهم، وهنا وعلى الفور بادر الأتراك لاستغلال الفرصة وبدأوا بالضغط على حكومة دمشق ودفعها لوقف التفاوض مع قسد والشروع بمهاجمتها والتعاون مع تركية وطلب مساعدتها عسكريّاً.

ولكن بمقابل ذلك فإن الأمريكان الذين جمّدوا المشروع مضطرين ولم يقرروا إنهاءه لم يعدموا وسائلهم للحفاظ على مشروعهم كوردستان موجوداً وقابلاً لإعادة الإحياء والتفعيل عندما تعود الظروف الملائمة وخاصة بعد إنهاء حرب أوكرانيا وإضعاف وتحجيم روسيا.

ولذلك فقد أوعزت الولايات المتحدة الأمريكية للقيادات الانفصالية الكورية في سورية لمحاولة إطالة الأزمة بالمماطلة والتسويف والدخول في مفاوضات ثم المماطلة وتضييع الوقت بالتفاصيل وبتشعيب المسائل وتشتيت التوجهات ولا يغيب عن أحد يراقب ويتابع بأن المفاوضات قد أعطت للكوردستانيين وقتاً وفرصاً ومكتسبات.

إضافة إلى ذلك فإن الأمريكان يلعبون بكامل طاقاتهم ضمن مجالهم المتاح للحفاظ على المشروع ومعهم حلفاؤهم وأتباعهم.

ونتيجة لكل ما أسلفنا الإشارة إليه فما الذي حدث؟

لقد قامت تركيا وبالتعاون مع وحدات الجيش السوري الموالية لتركية بالبدء بالحرب ضد الكوردستانيين وقد تم إحراز انتصارات ومكاسب ميدانية واسعة.

ولكن ما حدث من مفاوضات وإن كل ما نتج عنها من اتفاقيات وبنود و وعود، إنها كلها تدعم الهدف الأمريكي وهو إمكانية إحياء وإعادة بناء وإطلاق مشروع كوردستان، حيث لم يتم القضاء على القوة العسكرية التي هي عصابات تتبع حزب العمال الكوردستاني وهو معادٍ لسورية ولشعبها ومصنف بالإرهاب وقد تم تجنيس أعداد كبيرة بالتأكيد سيكون لهم دور وأثر كبير سواء في انتخابات يمكن توظيفها لدعم المشروع أو غير ذلك، وقد حصل الانفصاليون على مزايا ومكتسبات ثقافية و(كوردستانية) سوف تزيد من شعبيتهم وقبولهم، وإن ما يدلُّ بشكل دامغ على الخطط والنوايا الأمريكية هو الإرادة الأمريكية بوقف المعارك ضد قسد عند حدود معينة من محافظة الحسكة تضمن الحفاظ على النواة الصلبة والقاعدة للكوردستانيين في سورية، وأكثر من ذلك فرض هدنة طويلة الامد نسبيّا بما يساعد الانفصاليين على التجهّز والاستعداد وزيادة فرصهم في حرب قادمة، وكان الخيار الأفضل هو الاستمرار بالمعارك وتطويرها حتى يتم القضاء المُبرم على المتمردين الانفصاليين،

كما ان هناك ناحية أخرى متصلة بالقضية جرى إدارتها وتسييرها من قبل الأمريكان بشكل يضرُّ بسورية الجديدة وهي تحديداّ نقل جميع أعداد المعتقلين الذين تم احتسابهم على تنظيم داعش إلى العراق، فبعد رفع يد ميليشيات قسد و(PKK) عنهم وإنهاء احتجازهم واعتقالهم في شمال شرق سورية فقد تم نقلهم إلى العراق لمواصلة احتجازهم هناك.

وإن عملية نقل المعتقلين إلى العراق هو عمل مستهجن ومخالف للمنطق وللقانون وللأخلاق، فلماذا يتم نقلهم وإلى جهة معادية ومشبوهة؟

إن إنهاء سلطة قسد و(PKK) عليهم تُعتبٓر مكسبا سياسيا وانتزاع لورقة مهمة من حوزة الانفصاليين الكورد وإسقاط لأكذوبة أدائهم محاربة داعش.

ولكن كان المنطق هو انتقال هذه الورقة إلى حكومة دمشق بسيطرتها على المعتقلين وإدارة وحماية سجونهم، ولكن هذا لم يحصل، وإن نقلهم إلى سلطات العراق الإرهابية والتابعة لإيران وبأمر وبإشراف أمريكي، إن هذا الإجراء يرجّح احتفاظ الامريكان بأدوات تأجيج وإشعال البؤر القابلة للاشتعال ويبعث الشك بأن هناك مخططات لإعادة تفعيل تنظيم داعش واستغلاله وكذلك إنعاش وإعادة تفعيل مشروع كوردستان.

أما بالنسبة لتركيا وموقفها فإنه لا جدال حول أن تركيا تعتقد أن مشروع كوردستان وأدواته ومؤيديه من أخطر الأعداء للأمن القومي التركي وهنا نلتقي مع الأتراك بالمصلحة المشتركة ولا يخفى بأن تركيا حاولت بكل طاقاتها إنهاء المشروع بشكل تام ولكن أمام الإرادة الأمريكية وضغوط الأمريكان وحلفائهم وأتباعهم فقد اضطر الأتراك إلى القبول بالتنازلات ولكن إلى حد خطوط حمراء تضمن تدمير إمكانيات الكوردستانيين العسكرية وعدم قيام المشروع ضمن المدى المنظور.

ولابد بصدد قضية الكوردستانيين الانفصالية من النظر في مسألة القبائل العربية والحاضنة العربية في شمال شرق سورية والتي اسمها (الجزيرة).

لقد تم إهمال القبائل ولم يتم تقدير طاقاتهم الهائلة وحسن توظيفها في إطار وطني عقلاني، ورغم كل الإهمال فقد برزت قوة وإمكانية القبائل خلال المعارك ضد قسد والـ (PKK) حيث تم تحرير مساحات واسعة من سيطرة قسد على يد مقاتلي القبائل.

ولابد من التذكير بأهمية القبائل في عمليات توازن القوى في الجزيرة خاصة في الظروف الواقعة وهي ضعف السلطات والقوات المركزية وكذلك سياسات وخطط كبرى الأطراف الدولية اللاعبة في الملفات السورية.

إن مشروع كوردستان هو مشروع معادٍ واحتلال وتوسع عدواني وخطير ويجب محاربته وإنهاؤه بحزم وصلابة دون الالتفات إلى ما يعرقل ذلك.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني