مؤشر سعر الليرة هو السلطة الخامسة

0

إن مقدار تصريف الليرة السورية مقابل الذهب والعملات الصعبة وعلى رأسها الدولار الأمريكي، قولٌ فصلٌ في السياسة كما في الاقتصاد!!

إن مؤشر تصريف الليرة هو صولجان السلطة الخامسة أي الصحافة والإعلام. لماذا؟ لأن هذا المؤشر لا يرسمه القادة والساسة وصنّاع القرار بما لهم وما عليهم، إنما تنحت هذا المؤشر وتفرضه صناعات الواقع والأقانيم الرئيسة في حياة الشعوب مثل السوق ولونه وآليته ومناخه العام، بما يشمله من قضاءٍ عادل وأمنٍ مستتب وتعليمٍ ناجع ومدى جذب السوق لرؤوس الأموال وتوفير الطاقة العاملة، وكذلك قوانين الإنتاج والحاجة، والعرض والطلب، والميزان التجاري وما يفرزه من عجزٍ أو فائض. لذلك فإن المؤشر هو تصريح واضح لا لبس ولا تدليس فيه، وهو جامع مانع لا جدال حوله.

وربما يجدر أن أبتدئ الحديث وأكرر ما كنت قد قلته سابقاً منذ سنوات وباختصار: إن المؤشر الذي يطفو ويتم إظهاره في سورية ليس هو المؤشر الاقتصادي الحقيقي لواقع الليرة. ونقصد بالاقتصاد الحقيقي أي المماثل لاقتصاد الدولة المستقرة وما يقتضيه من استهلاكٍ طبيعي لشعبها ومن استيراد يلبي حاجة السكان. فلو كان استهلاك الفرد السوري مثل استهلاك الفرد في دول أُخرى مستقرة وتعيش بأريحية، بما يستلزمه ذلك من عمليات استيراد، لكان سعر تصريف الليرة قد تراجع وتقهقر عما هو عليه الآن. وبمعنى آخر: لو تم تأمين الاحتياجات الأساسية وأدنى متطلبات الحياة اليومية من طاقة كهربائية وتدفئة ووسائل نقل ووفرة في السلع وتنوعها – ناهيك بوسائط الترفيه – لتراجعت قيمة الليرة السورية.

ولكن مع هذا الواقع المعيش من قبل السوريين، فدعونا ننظر ونتأمل وندرس ونتساءل ونستنتج:

▪ الآن يصرّح المؤشر بأن الليرة السورية عادت إلى خانة أدنى سعرٍ لليرة وأعلى سعرٍ للدولار وللعملات الأخرى منذ سقوط النظام المخلوع وهروب رئيسه من دمشق منذ حوالي العشرة أشهر، حيث تلامس اليوم مبلغ (11 ألف ليرة) مقابل دولار أمريكي واحد. فلماذا هذا الهبوط لسعر الليرة – ولو كان بطيئاً – أو – إبعاداً للجدل – لماذا لم يتحسن سعر صرف الليرة حيث إنّه في الواقع تراجع سعر صرف الليرة منذ اليوم الأول لسقوط النظام السابق؟

ولكن لا بدّ من الإشارة بوضوح وإصرار إلى أن سعر الليرة لم يتحسّن لأسباب اقتصادية تتعلق بالاستثمار وبالإنتاج والميزان التجاري الرابح. وبمعنى أدق: لقد تحسن سعر صرف الليرة بشكل كبير وسريع وذلك قبل الإعلان عن تسمية وتحديد قيادة الإدارة المؤقتة وقبل تشكيل الحكومة وقبل قيامها بأي إجراء من فعل أو قول. بل إن أسباب تحسّن سعر الصرف تعود لغياب إجرام النظام وحربه المكلفة ضد شعبه، وذلك بما يشمل ثمن الأسلحة والقنابل والمتفجّرات والرواتب للمرتزقة الأجانب والميليشيات الغريبة، وأيضاً بسبب انقطاع فساد وسرقات النظام لمقومات وروافد الاقتصاد، وكذلك لتوقّف (تشبيحه) وتسلّطه وإجرامه مثل تقاضيه بدل الخدمة العسكرية وفرضه للإتاوات على التجار وانتزاعه للفديات والرشاوى الباهظة بالعملات الصعبة والتي يتم استلابها من ذوي المعتقلين والمختطفين.

فمع سقوط النظام المخلوع فورا تحسّن سعر صرف الليرة السورية. وكذلك هناك أسباب وعوامل أُخرى ساهمت مباشرة بتحسين سعر صرف الليرة واستقرارها مثل:

1 – انتهاء عرقلة التحويل وإعاقة إيصال المبالغ من الخارج وانتهاء الابتزاز.

2 – ازدياد تدفّق الأموال والحوالات بالعملات الأجنبية من قِبل السوريين في الخارج.

3 – عودة مئات آلاف السوريين النازحين والمهجّرين ومعهم ما بحوزتهم من أموال ومبالغ.

إن كل هذه العوامل قد ساهمت فورا بارتفاع سعر تصريف الليرة حتى وصلت الليرة إلى حدود ثمانية آلاف ليرة مقابل الدولار الواحد.

والآن نعيد السؤال: لماذا انخفض سعر الليرة أو لماذا لم تواصل الليرة التحسّن بسعر تصريفها؟

أولاً: هناك أسباب طبيعية ومنطقية ومتفهّمة مثل:

1- الحاجة إلى تأمين ثلاثة ملايين طن من القمح والطحين خاصة مع مصادفة وقوع المحل والجفاف.

2- الحاجة إلى تأمين مشتقات النفط للنقل ولتوليد الطاقة الكهربائية وللتدفئة والاستهلاك المنزلي.

3- تأمين السوق الاستهلاكية باستيراد المواد والسلع الأساسية مثل الزيوت والسكر والأرز وإلى ما هنالك.

ما هي الأسباب التي عرقلت مسار تحسّن سعر صرف الليرة وانتعاشها؟

أولاً: عدم وجود مؤسسات وهيئات اقتصادية مهنية وعدم الاعتماد على كوادر وشخصيات ذات خبرات وكفاءات علمية ومعرفية تسعى بمثابرة وحرص وبانتماء وإحساس بالمسؤولية.

ثانياً: عدم الاستفادة من خبرات وتجارب الآخرين من دول أو منظمات أو شركات وذلك إما لعدم المحاولة أو لعدم القدرة بسبب عدم وجود نظام اقتصادي واضح.

ثالثاً: عدم وجود نظام مالي وهيكل بنوك ومصارف يساعد ويشجّع على استقبال الرساميل والأرصدة لشؤون الاستثمار والودائع والمدخرات سواء للشعب السوري في الداخل والخارج أو لغيره من مودعين غير سوريين.

رابعاً: وبسبب ما سبق فقد نتج عدم وجود خطط وبرامج اقتصادية لتنفيذ مشاريع وإنجاز أعمال.

خامساً: استمرار تفعيل وإعمال القوانين الأمريكية (المتعلقة بالعقوبات ضد النظام المخلوع بسبب جرائمه).

سادساً: عدم القدرة على كسب ثقة الشعب السوري بمؤسسات الدولة وعدم التخلص من آثار وتركات النظام السابق والمتلخّصة بانعدام الثقة.

وإن أهم أسباب العجز عن كسب الثقة هو عدم وجود إعلام مسؤول وموثوق وواضح وانعدام البيانات الموثقة والشفافية حول خطط وميزانية الدولة وبيان المدخول والواردات وبمقابل ذلك النفقات.

سابعاً: انعدام وجود قاعدة بيانات وإحصاءات دقيقة تساعد على إجراء دراسات تدعو أو تشجّع على الاستثمار.

والآن وبعد كل ما سبق وما بدا وكأنه مجرد نقد واستنكار، فإننا نجد أنفسنا أمام السؤال التالي: ماذا كان يجب على الحكومة الانتقالية أن تفعله وماذا بإمكانها أن تفعل؟

أولاً: من الطبيعي كان يجب أن تقوم بمعالجة كل ما ذكرناه آنفاً على أنه أسباب عرقلت تحسّن سعر صرف الليرة، وبتفصيل ذلك نقول:

كان يجب على الحكومة:

أ- إيجاد مؤسسات مهنية يديرها أخصائيون من أصحاب الخبرات والكفاءة – أي اعتماد التكنوقراط – والاستفادة من خبرات وتجارب الغير.

ب- تأسيس نظام مالي مرن وعصري وهيكل بنوك حديثة.

ج- وضع خطط واضحة ومدروسة ومناسبة وقابلة للتنفيذ في ظل الظروف المستحكمة بالبلاد.

د- العمل بجميع الوسائل الجادة والصادقة لكسب ثقة الشعب بالحكومة ومؤسساتها وبخططها وإجراءاتها؛ ودعك هذه المساعي بالشفافية والوضوح.

هـ- الإسراع بإنتاج قاعدة بيانات والقيام بأعمال إحصائية ونشر النتائج.

و- التعامل مع الأمريكيين بشكل حثيث ومستمر لإزالة عقوبات كانت ضد نظام إجرامي وقد انتهى وتمت إزالته ورفع القضية إلى منابر الأمم المتحدة ومنظماتها ومحاكمها مع الاستعانة بجهود الدول الشقيقة والصديقة لهذا الهدف.

ثانياً: يجب إدراك أن الاقتصاد يستند إلى الأمن والأمان وأن الاستقرار والقانون هو القاعدة وهو المرتكز للاقتصاد، ولذلك يجب العمل بكل طاقاتنا وبكل وسائلنا في سبيل فرض الأمن والاستقرار وتطبيق قانون عصري حتى لو كلّف ذلك القيام بمعارك أو شن حروب ضد تجمعات وكيانات تسعى لإشاعة الاضطراب والفوضى وتعطيل القانون ونسف هيبة الدولة.

ثالثاً: سنّ ورسم قوانين جذابة ومدروسة باحتراف لجذب الاستثمارات ولضمان وحماية المستثمرين والمنشآت والنشاط التجاري.

رابعاً: يجب استعادة السيطرة على حقول النفط والغاز حتى لو كلّف ذلك شنّ حربٍ ضد قسد، خاصة وأن هذا لا يتعارض مع القوانين الدولية ومبادئ ولوائح الأمم المتحدة.

خامساً: العمل على تعديل الميزان التجاري من خلال زيادة ما يمكن من الإنتاج وتحديداً الإنتاج الزراعي لأنه لا يتطلّب استثمارات ورؤوس أموال ضخمة، بل تشجيع استخراج المياه الجوفية مع تقنين استخدامها للري على الأقل في السنتين أو الثلاث السنوات الراهنة.

إن كل ما تحدثنا به من إضاءات وتشخيص ومقترحات، كلها إجراءات عادية وبسيطة ويمكن تنفيذها، وإن هناك إجراءات وخطط مختلفة ونوعية وغير عادية تخدم الاقتصاد وتفيده وتحقق نموّاً وتقدّماً، ولكن تتطلّب مناخاً عامّاً أكثر نضجاً واستقراراً وتحكماً بكل مرتكزات البلاد.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني