في اليوم العالمي للاجئين: رغم سقوط نظام الأسد.. طريق العودة لا يزال محفوفاً بالتحديات

0

سوريا ما بعد النظام – وطن يتأرجح بين الأمل والتحدي

بعد أكثر من عقد من الألم والشتات، ومع سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، تنفس السوريون لأول مرة منذ سنوات طيف الحرية.

ومع هذا التحول السياسي الجذري، تحوّل الحديث من البقاء إلى العودة، ومن النزوح إلى الإعمار، ومن الخوف إلى استعادة الكرامة. لكن، وعلى الرغم من سقوط الجدار الأمني والسياسي الذي حال دون عودة الملايين، لا تزال العودة الآمنة والكريمة للاجئين السوريين مرهونة بجملة من التحديات المعقدة، التي لا يمكن تجاوزها إلا عبر رؤية وطنية مدعومة دولياً.

عودة مرتبكة في وجه إرث ثقيل من التهجير والتدمير:

بحلول نهاية عام 2024، كان أكثر من 6.8 ملايين لاجئ سوري قد فروا إلى خارج البلاد، و6.9 ملايين نازح داخلي يعيشون في ظروف مأساوية.

 ورغم سقوط النظام، لم تتجاوز حالات العودة منذ كانون الأول/ديسمبر 2024 حتى منتصف 2025 أكثر من 500 ألف لاجئ و1.2 مليون نازح داخلي.

هذه الأرقام تشير إلى أن الطريق ما زال طويلاً، والبيئة غير مهيّأة بشكل كافٍ.

عقبات قانونية وإدارية: بين فقدان السندات وتضارب الصلاحيات:

الآلاف من العائدين يواجهون عقبات حقيقية في إثبات ملكياتهم العقارية، بسبب دمار السجلات الرسمية أو غيابها، وتداخل المرجعيات القانونية.

لا توجد حتى الآن آليات عادلة وشفافة تضمن استعادة الملكيات أو تعويض المتضررين، ما يدفع الكثيرين للبقاء في المجهول.

عودة مكلفة يدفع ثمنها العائدون وحدهم:

تكاليف العودة الباهظة ـ من النقل إلى السكن المؤقت وإعادة بناء المنازل ـ تقع على كاهل العائلات دون دعم حقيقي من الدولة أو المجتمع الدولي.

وما يزيد الطين بلة هو استمرار الرسوم المرتفعة لوثائق السفر وجوازات العودة، وهو ما يشكل عائقاً عملياً أمام من يرغب بالعودة.

بيئة مدمّرة: منازل مهدّمة وبنية تحتية شبه معدومة:

وفقاً لمسح أجراه المجلس النرويجي للاجئين، فإن نحو نصف العائدين وجدوا منازلهم مدمّرة بالكامل أو غير صالحة للسكن، و40% لا يملكون أي وثائق تثبت ملكيتهم.

كما تفتقر العديد من المناطق إلى المياه والكهرباء والمدارس والمراكز الصحية، فيما لا تزال الذخائر غير المنفجرة تفتك بالعائدين، وقد أودت منذ بداية 2025 بحياة 220 مدنياً، بينهم 41 طفلاً.

عدالة غائبة… وعدالة انتقالية لا تزال في المهد:

رغم تشكيل هيئة للعدالة الانتقالية من قبل الحكومة السورية الانتقالية، إلا أن مسارات المحاسبة لا تزال في بداياتها.

 لم يُكشف حتى الآن عن مصير آلاف المختفين قسرياً، ولم يُفعّل أي إطار فعلي لتعويض الضحايا أو جبر الضرر.

اقتصاد مُنهك… وتعليم وصحة على حافة الانهيار:

يعيش أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر، فيما يعاني 12.9 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي.

 القطاع الصحي منهار، والتعليم في أسوأ حالاته، حيث مئات المدارس خارج الخدمة، وأعداد كبيرة من الأطفال خارج النظام التعليمي، فيما يحاول العائدون الاندماج في وطن لا يزال يفتقر لأبسط مقومات الحياة الكريمة.

ضعف في الاستجابة الدولية وغياب في التمويل:

رغم إعلان الأمم المتحدة عن خطة بقيمة 575 مليون دولار لدعم عودة 1.5 مليون لاجئ و2 مليون نازح داخلي، لم يتم توفير سوى 71 مليون دولار حتى نيسان/أبريل 2025.

النقص الحاد في التمويل أدّى إلى تقليص عدد موظفي المفوضية داخل سوريا بنسبة 30%، ما أثّر بشكل مباشر على جهود الدعم والمساعدة.

رؤية الشبكة السورية لحقوق الإنسان: عودة تستند إلى الكرامة والعدالة:

ترى الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن ضمان العودة الكريمة يتطلب خطة وطنية شاملة، تشمل:

تأمين البيئة القانونية والأمنية عبر استقلال القضاء وفتح مسارات العدالة الانتقالية.

إعادة الإعمار وفقاً لأولويات السكان المحليين، لا المصالح السياسية أو الطائفية.

تخفيض تكاليف الوثائق الرسمية وإزالة الحواجز البيروقراطية.

تفكيك الجماعات المسلحة وضبط السلاح خارج نطاق الدولة.

تمكين المجتمعات المحلية والنساء والضحايا من المشاركة في صنع القرار.

مراقبة دولية مستقلة لضمان تطبيق معايير العودة الطوعية والآمنة.

من اللجوء إلى العودة… مسؤولية جماعية لا تحتمل التأجيل:

في اليوم العالمي للاجئين، وبعد زوال نظام أذاق السوريين مرارة النزوح، تقف سوريا الجديدة أمام مفترق طرق حاسم.

إما أن تتكاتف الجهود الوطنية والدولية لإعادة من شُرّدوا قسراً، أو أن تظل العودة وعداً مؤجلاً على مذبح المصالح والبيروقراطية واللامبالاة.

لعودة ليست مجرد رحلة عكسية نحو الجغرافيا، بل هي استعادة للكرامة، وللهوية، وللوطن الذي حلم به السوريون… وطنٌ لا يُختزل بسقوط نظام، بل يُبنى على أنقاضه، بالحق، بالعدالة، وبالإنصاف.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني