
عملية ردع العدوان .. التكامل بين الاستعداد والفرصة
تبوّأت الثورة السورية ما تستحقّه من مكانةٍ كإحدى أعظم الثورات في التاريخ، ويمكن أن تُدرَّس كنموذجٍ لثورةٍ شاملة تكلَّلت بالنجاح واستخدمت كل أساليب وأنواع النضال؛ ففيها جانبٌ كبيرٌ من نضالٍ سلمي كانت أسلحته الحناجر وقبضات الأيدي، وفيها جهادٌ عسكري قام به مختلف الثوار وبكل أطيافهم وانتماءاتهم، وكان اليقين أنّ هذا النظام لن يسقط إلا بالقوة العسكرية.
وفيها مُجاهدةٌ ومصابرةٌ شعبية هائلة تمكنت من الصمود 14 عاماً متتالية بتعرّضها لأقصى درجات العنف ابتداءً من القتل بالسلاح الأبيض مروراً بالبراميل المتفجرة والصواريخ الفراغية وصولاً إلى الأسلحة الكيماوية؛ وتحمّلت تلك الحاضنة إخفاء وتغييب أبناءها في السجون واستشهاد معظمهم، ولم تبخل تلك الحاضنة يوماً باحتضان المقاومة المسلحة ورفدها بالكوادر البشرية خزاناً لا ينضب ولا يستكين…
وفيها صمودٌ أسطوري كإرادةٍ صلبةٍ وعزيمةٍ لا تستكين، ولم يتسلَّل للحاضنة يوماً الإحباطُ والوهنُ واليأسُ في أحلك الظروف التي مرت بها الثورة؛ ولأنها لم تُهزم من الداخل فإنها انتصرت.
وفيها جهادٌ اجتماعي مع التكيّف وفق نموذجٍ حياتي ومجتمعي لم يكن مألوفاً أو متخيّلاً؛ فقد أُخرج الناس من بيوتهم تحت نيران قوى عاتية كانت تعتبر كل من هو متواجد في مناطق لا يسيطر عليها النظام عدواً؛ وهذا تجسيد للعقيدة الشرقية الروسية في الحرب، ويطلق عليها بعضهم «الحرب وفق نموذج الأرض المحروقة».
انتقل السكان إلى خيامٍ كابدوا فيها برد الشتاء وحرّ الصيف، علماً أن أراضيهم وذكرياتهم تبعد عنهم مرمى حجر.
وفيها مُجاهدةٌ لبناء نموذجٍ منافس تحت القصف لنموذج النظام، حيث تمّ بناء مدارس وإنشاء بنى تحتية معقولة ومؤسسات إدارة وخدمات وقضاء وشرطة؛ وكانت الجامعات التي تمّ تشييدها تضمُّ عشرات الآلاف من الطلاب الذين فشل النظام في حرمانهم من التعليم، بل حتى تفوّقت على الجامعات السورية العريقة التي أمعن النظام في تخريبها.
كان النشاط الاقتصادي في مجتمع الثورة مقبولاً، وغطّت منظمات المجتمع المدني والدول الداعمة للشعب السوري جانباً كبيراً من فجوة تقديم الخدمات.
أما على صعيد النضال السياسي فقد حمَلَه الجمهور، وقد فشل السياسيون ومؤسساتهم ولم يكونوا على المستوى المطلوب لظروفٍ ذاتية وموضوعية.
حمل الثوار ثوابت الثورة وأهدافها ولم يتخلّوا عنها، وأحبطوا كل سردية النظام وحلفائه بإبقاء البعد المدني للثورة واضحاً وجليّاً، ولم تحِد أهداف الثورة التي حملها المدنيون عن الشعارات الأولى: «الشعب السوري واحد» و«سوريا بدها حرية»، رغم كل الجهود التي بُذلت لتطييفها أو تطرفها أو تغييب بُعدها المدني.
أما على المستوى الإعلامي فقد خرَّجت سنوات الثورة جيلاً إعلامياً ليس بالضرورة أنه حمل شهادات أكاديمية، إنما درس وتخرَّج من مدرسة المعاناة ونقل الحقيقة للعالم عبر إمكانات متواضعة؛ وكان للتغطية الميدانية للمعارك على الجبهات أكبر الأثر في صقل مواهبهم وإكسابهم الخبرات العملية.
كانت بيضة القبان الجهد العسكري، لأنه الطريق الوحيد لتكلّل كل تلك التضحيات بالنجاح.
ومنذ بداية عام 2020 تمكنت غرفة عمليات «الفتح المبين» من توحيد كل الجهود العسكرية بقيادةٍ واحدة أحسنت وضع الخطط للدفاع وتحصين مناطق إدلب وأرياف اللاذقية وحلب، والاستعداد للهجوم والانقضاض على ميليشيا النظام عندما تسنح الفرصة المؤاتية؛ فيما حرّرت فصائل الجيش الوطني مناطق شاسعة من أرياف حلب الشمالية والشرقية من تنظيمي داعش وقسد، وكان جزء منها يشارك في غرفة عمليات الفتح المبين، والقسم الآخر جاهزاً للمشاركة بالمعركة الفاصلة، وهو ما حدث فعلاً.
كانت الأرض السورية المحرَّرة ضروريةً جداً بغضّ النظر عن مساحتها أو وفرة مواردها أو موقعها الجيوسياسي، وكانت هي ألف باء تحرير سوريا من داخلها.
كان يَقين الجميع أنّ النظام ساقط لا محالة، ولكن السؤال الذي يراود الجميع: متى وكيف؟
أجاب العسكريون بطريقة صحيحة على السؤال: بالتجهيز والاستعداد إلى أن تحين الفرصة المناسبة، فهذان العاملان متلازمان؛ فلا يكفي الاستعداد وحده، ولا تكفي الفرصة وحدها.
بات واضحاً مما كُشف من أسرار المعركة أنّ الاستعداد تضاعف بعد تورّط الروس وانشغالهم بحربهم في أوكرانيا، ولم تتأخر الأذرع الإيرانية في التورط مع الغرب وإسرائيل في صراعٍ استنفد مواردهم وجهودهم؛ وهنا تسارع الاستعداد والتجهيز لأنّ الفرصة بدت أنها لن تكون بعيدة.
استغلت قيادة «عملية ردع العدوان» كل جهودها السابقة في إطلاق حرب التحرير في 27/11/2024، ولأنّ النظام كان منخوراً ومتفسخاً من الداخل أكثر من كل التقديرات، انهار في 11 يوماً كبيت عنكبوتٍ هبّت عليه رياح الشمال العاتية، وعادت سوريا إلى أهلها إلى يوم القيامة.