صَلِف

0

رجع سعد…، شاب قوي البنية.. وقوام متناسق تعلوه رأس يكلّلها شعر كث فاحم، وعينان سوداوان تحرسان هضبة أنف يشمخ بإباء، وشاربان مزججان ينفرج تحتهما خطان قرمزيان وذقن مدببة. يلبس قميصاً أرزق يكشف عن عضلات مكتنزة، وبنطال جينز، وحذاء لامع. لم ينل حظاً من التعليم إذ غادر المدرسة قبل أن يكمل المرحلة الثانوية، وسافر كغيره بحثاً عن لقمة تسدّ جوع الأسرة في أعوام الضنك التي اجتاحت المنطقة…

استطاع خلال سنوات تُعدّ على الأصابع أن يعفي والده من العمل عند الشيخ، وأن يقتني ثوراً وبقرة ليحرث أرضه، وأن يشتري قطع أرض مجاورة…، ويبني مضافة، ولم يغب الأب عن اجتماع أو عزومة قط. يستقبل الضيوف باشاً مهللاً ومرحباً.. يقدم القهوة المرّة، وينتظر عودة وحيده من السفر ليزوّجه، وينجب له أحفاداً يداعبهم ويملؤون البيت صخباً.

وفد أهل القرية للسلام على سعد، ويهنئونه بالسلامة والعودة الميمونة. وراحت أم سعد تعدد له الشابات واحدة واحدة، وتصف مزاياهن وهو يؤمّلها أنه سيختار ما يهتف لها قلبه، ويطمئنها…

لبّى دعوة صديقه خالد للعرس، وشارك مع الشباب في الدبكة، وأظهر مهاراته التي أعجب بها الحضور، ولم تتوقف عيناه عن النظر إلى الصبايا، وعد أمّه…، وها هو يبحث. وقعت عيناه عليها.. رف قلبه.. تُرى أليست هي سعاد ابنة الشيخ. طافت به ذكريات الطفولة، كم حملها على كتفيه وهو يرافق والده إلى دارهم.. كانت صغيرة لم تتجاوز الرابعة تتشبث بشعره.. تهمزه برجليها ليركض.. يخب.. تضحك.. وتضحك. كانت ربطة شعرها البيضاء ومريلتها المدرسية مميّزتين…

وفي حلقة الرقص الجماعية أمسك بيدها.. مسّهُ تيارُ كهرباء.. أحسّ بمفاصله تتخلخل.. ضغطت أصابعُهُ.. شدَّتْ على يده.. تسارع نبضه.. همس كيفك.. أتذكرين؟ نعم لم أنسَ.. الحمد لله على السلامة.. كبرتِ الشقيةُ.. وأنتَ أصبحت شاباً تفخر بك القرية كلها…

تلك الليلة لم يناما.. كلّ يحلم…

لم يجد إلّا ابنة خالته مرسالاً بينهما إن كانت توافق عليه زوجاً لها، وعادت تزف له البشرى. أخبر والديه.. فأسرعا فرحين إلى بيت الشيخ، استقبلهما بالترحاب، ولما أعلنا عن رغبتهما بمصاهرته؛ لم يعطهما جواباً صريحاً مكتفياً بكلمتين.. نشاور البنت.

لمّا غادرا سأل سعاد: ما رأيك بابن المرابع، جاءا يخطبانك؟

– كما ترى

– أرى أنكِ موافقة؟

– سعد شاب خلوق.. لا يعيبه شيء

– لكنّه ما زال… نسيتِ؟! أنا لا أصاهر ابن المرابع

– لا… وكنّتك مَنْ أبوها؟

– أنا أنكح بنت المرابع، لكني لا أزوّجه ابنتي

– سبحان الله وولدك يصاهره؟!

– نعم…

– سعد لم يعد…، لقد اشترى أرضاً منك.. صار فلاحاً…

– هذا لا يهمني بشيء.. وسيبقى كما عهدته…

– لماذا تكيل بمكيالين، ألستُ ابنتك كحسان؟

– كفى أنت لا تشبيهنه

– كنتُ متفوّقة وحرمتني من التعليم…

– اسكتي.. إيّاكِ أن تقارني نفسك به

– ألأنّي أنثى؟! أليس لي حقوق مثله؟

– اغربي عن وجهي، أحذّركِ والتفكير بسعد…

نقلت ابنة خالته ما دار في بيت الشيخ.. غضب كثيراً.. هدّأته. طرق بنفسه باب الشيخ مستفسراً، كانت الصدمة أكبر: أنا لا أزوّج ابنتي لابن مرابعي، وأشار إلى الباب…

حملت له ابنة الخالة رسالة سعاد: “لن أتزوّج غيرك أبداً، ولن يستطيعوا إجباري.. انتظر الوقت المناسب، سافر الآن.. ستصلك أخباري، وأنا أعلم كيف يُكسَّرُ جبروتُهم…”.

بعد شهور وصله خبر…، أبي قلق جداً بسبب فشل أخي ودلاله الزائد، غرر به رفاق السوء، وهو مهدد بالسجن إذا لم يسدّد لهم مبالغ باهظة، وليس أمامه إلّا أن يبيع بستانه الكبير ليؤمنها.. قل لوالدك أن يساومه إذا كنت قادراً على الشراء…

قدم بنفسه.. زار الشيخ للاطمئنان عن صحته. عرض عليه شراء الأرض… كم ثمنها؟

– إنها تساوي الكثير لكني سأبيعها بأقل سعر

– لا أنسى أنّي أكلت من خيرها.. سأعطيك ما تطلب، وتبقى الأرض ملكك.

– بوركت يا ولدي

– أنت شيخنا ووالد للجميع.. وضع تحت الفراش مظروفاً واستأذن بالانصراف.

لأول مرة يشعر بالضعف.. ولأول مرة يطأطئ هامته، كسره حسان، وجبّره ابن المرابع. فتح عينيه على الحقيقة.. كم تمنّى لو أنه لم يظلمها.. “لو أني سمحت لها بمتابعة الدراسة لكانت الآن طبيبة أو مهندسة أرفع رأسي بها، ليتني لم أنجب غيرها، تفووو عليك يا حسـااان”.

نادي زوجته وابنته. أخبرهما بما حصل.. شعرت زوجه بانهيار تلك السنديانة الصلبة.. بكت من أجله.. ترقرقت عينا سعاد بالدموع.. أشار لها أن اقتربي.. أحسّت أنه قريب منها.. أب جديد لم تعرفه من قبل.. إنه إنسان آخر.. أشرق وجهها.. وضع يده على كتفها.. آهٍ يا حبيبتي كم قسوتُ عليكِ.. أشعر أن نهايـ.. وضعت سبّابتها على شفتيه.. دعيني أطمئن… أخبريه…

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني