
صندوق التنمية السوري: الأهداف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية
أصدر الرئيس السوري في تموز الماضي المرسوم رقم 112 لعام 2025 والقاضي بإحداث صندوق التنمية السوري كمؤسسة ذات طابع اقتصادي تتمتّع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، ومقرها دمشق وترتبط برئاسة الجمهورية مباشرةً.
وبحسب المرسوم يهدف الصندوق إلى المساهمة في ترميم وتطوير البنية التحتية وإعادة الإعمار، حيث سيشمل مجال عمله تطوير وإنشاء الطرق والجسور وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والاتصالات، إضافةً إلى تمويل مشروعات متعددة صغيرة من خلال القرض الحسن.
وستعتمد الإيرادات المالية للصندوق على التبرعات الفردية من داخل سوريا وخارجها، إلى جانب برنامج “المتبرع الدائم” والذي يتيح تبرعات شهرية ثابتة، إضافةً إلى الإعلانات والهبات والتبرعات التي يتم قبولها وفق القوانين والأنظمة النافذة…
وكانت قلعة دمشق مساء الخميس 4 أيلول قد شهدت إطلاق الصندوق رسمياً بحضور الرئيس السوري أحمد الشرع، حيث أكّد الرئيس على أنّ “الصندوق يُمثّل بداية مرحلة جديدة من البناء والإعمار بعد سنوات من التشتّت والدمار الذي عانى منه السوريون”.
وأضاف سيادته: “إنّ النظام البائد دمّر الاقتصاد ونهب الأموال وشرّد الشعب”، وقال إنّ هدف الصندوق هو خطوة أولى نحو “إعادة النازحين والمهجرين إلى أرضهم”، وناشد السوريين المساهمة في مشروعات الصندوق معتبراً أنّ المشاركة في إعادة الإعمار والتنمية “شرف لكل مواطن وليست صدقة على البلاد”.
وأوضح الرئيس أنّ الصندوق سيتمتع بشفافية عالية، وقال إنّ ما وصل إليه السوريون اليوم “ما كان ليتحقّق لولا التضحيات الكبيرة للشهداء والمفقودين والمشردين”، واصفاً التبرع للصندوق بأنه “أمانة في أعناق الأحياء اتجاه دماء الضحايا”.
يعلم السوريون أنّ استبداد الأسدين كان أقرب إلى الطغيان الشمولي منه إلى الديكتاتوري، بحيث تدخّلت السلطة في تشكيل الشخصية السورية من أجل ألّا تُشكّل خطراً عليها، لأنّ المجتمع في النهاية هو مجموعة الأفراد، والثقافة المجتمعية السائدة والتي تتحكّم بالعقل الجمعي هي نتاجات تلك الثقافة.
ومن القيم السلبية التي حاول نظام الأسد زرعها لتهشيم المجتمع وصولاً لتهميشه تحطيم الوطنية السورية الحقيقية وعدم السماح ببعثها من جديد، فكيف سيسمح بها وقد أسمى سوريا باسمه وحاول ترسيخ مصطلح “سوريا الأسد” في العقل الجمعي للسوريين. وعندما ذابت الدولة وذاب الوطن في السلطة الغاشمة وأصبحوا شيئاً واحداً كان معيار الوطنية هو الولاء والتمجيد للقائد الخالد.
ولأنّ الأسد الأب سعى إلى أن تكون الدولة ربّ العمل الأوحد أو الأكبر، عمل على توظيف من يريد ليشتري ولاءهم وكان يرغب في تحويل جيش الموظفين إلى قطيع.
ولأنّ السلطة في طبيعتها متوحّشة، تنمو عندها فكرة الخلاص الفردي كحل لتجنّب شرورها، حيث تتم المبالغة في إظهار التأييد للديكتاتور بل يتحول الرياء إلى عشق له. ولأنّ كل فرد آخر في المجتمع يُفترَض أنه عدو بمعنى عميل للسلطة يتجسس عليه ويريد الإيقاع به ليحصل بفضل ذلك على مكاسب أو رضى أجهزة السلطة، هنا تتدمّر فكرة العمل الجمعي، لأنّ من بديهيات ذلك العمل ثقة الأفراد ببعضهم وعدم الخوف أو التشكيك بالآخر. وفي هذا الجو لا تنمو منظمات أو هيئات للمجتمع المدني تحاول مساعدة المجتمع وتأمين ما تعجز عنه مؤسسات الدولة، حيث يكون مسموحاً فقط بعض الجمعيات الخيرية الأهلية وغالباً الدينية لتقديم بعض الخدمات للفقراء، وتكون غالباً مرتبطة برجال دين هم أنفسهم مرتبطون بالسلطة ويؤمَن جانبهم.
بعد 40 عاماً من الحكم الشمولي للعائلة الأسدية انتفض الشعب السوري على ما حاولت السلطة الغاشمة فرضه، وظنّت أنها نجحت في تحطيمه ولم يساورها أي شك في تسلّل الربيع العربي إلى مزرعتها.
وتدرك القيادة الحالية باعتبارها طليعة المنتفضين أو الثوار خطورة المفاهيم والسلوكيات التي حاول النظام البائد ترسيخها، ومنها تدمير علاقة الفرد بالدولة وتكريسها كعدو باطش. ويحاول العهد الجديد علاج تلك الحالة المزمنة، بل وترميم الثقة بالفرد الآخر، وهي من بديهيات أيّ عمل مجتمعي يُراد تحقيقه.
شجّع العهد الجديد المجتمع على التعبير عن نفسه وتبديد مخاوفه من السلطة ومن الآخر عبر إشعار الفرد أنّ الدولة دولته والوطن وطنه والسلطة موظفة عند الشعب لخدمته، وهيّأ المناخ والأرضية لذلك، فقالت: “هذه البلد بلدكم فلنتعاون معاً لبنائها” (حيث اليد الواحدة لا تُصفّق). وشجّعت الدولة مواطنيها على تقديم مبادرات مجتمعية لتأصيل انتمائهم لوطنهم وبناء جسور للثقة المفقودة بينهم. وشهد المجتمع السوري انطلاق مبادرات مجتمعية متعددة الأغراض والأهداف بدأت من نقطة الصفر عندما قام الأفراد بتنظيف أحيائهم وحدائقهم وساحات مدينتهم الرئيسية لإزالة الشيخوخة والإهمال الذي لازمها لعقود ولغرس قيم جديدة في المجتمع الذي كان يعتمد (أو هكذا تمّ تعويده) على الدولة في كل شيء.
أهداف المبادرات المجتمعية وأكبرها صندوق التنمية السوري
1- أهداف اقتصادية:
تُدرك القيادة السورية وجمهورها أنّ حجم الدمار كبير (ولن يحكّ جلدك مثل ظفرك). ومع التقدير لكل الجهود الرسمية العربية إلا أنّ ذلك لا يكفي، أو يمكن لها الاستثمار والمساعدة في قطاعات كبيرة ومهمة. وتمّ توقيع باكورة الاتفاقيات في ذلك وينتظر المزيد في قادمات الأيام. وتدرك القيادة السورية خطورة الاقتراض من الصناديق الدولية لما تُشكّله من إرهاق مادي بفعل دفع الفوائد لخدمة الدين والتدخل في القرارات السيادية للدولة، خاصة في علاقتها مع مواطنيها.
إنّ إعادة الإعمار بالشكل الذي كان يتمّ طرحه في القرارات الدولية لإعادة إعمار سوريا هو شكل من أشكال الوصاية وبناء النفوذ ومصادرة لبعض جوانب القرار الوطني المستقل، فالسوريون يعلمون أنّ الدول ليست جمعيات خيرية…
2- أهداف سياسية:
لتحقيق الاستقرار المجتمعي لا بُدّ من إعادة النازحين والمهجرين إلى بيوتهم وخلق فرص عمل تضمن العيش الكريم في وطنهم وعدم تمكين من يريد العبث بأمن البلاد من استغلال ظروفهم وحاجاتهم. فالمواطن المستقر في بيته ويتقاضى أجراً يؤمّن لعائلته عيشاً كريماً هو حجر الأساس في الاستقرار السياسي للبلد بأكمله.
كما أنّ إعادة تعريف وبناء الهوية الوطنية والروح الوطنية تتطلب أن يشعر الفرد أنه في وطنه وصاحب قرار في بنائه وخياراته السياسية والاقتصادية.
إنّ تخفيف دور الدولة (وليس إلغاؤه) كفيل بأن يُطلق المبادرات الخلاقة، إن كان على مستوى القرى والبلدات أو على مستوى الوطن بأكمله، بما يصهر المكونات كلها في بوتقة هوية واحدة جامعة ومشاعر وطنية جياشة. وهذان رأس مال أيّ قيادة سياسية للسير بالسفينة السورية إلى شاطئ الأمان.
3- أهداف اجتماعية:
للتخلص من آثار المرحلة السابقة لا بد من خطوات، لذلك بدأت بإسقاط النظام البائد. فمن غير المعقول أن يبقى نازح داخل بلده لما يتركه ذلك من آثار كارثية على الفرد والأسرة وبالتالي المجتمع. وهذه المبادرات الوطنية كفيلة بالمساهمة في هذا الهدف. كما أنّ ترميم المدارس والبنى التحتية من أولويات تلك المبادرات المحلية، وهي رشيقة وخالية من الروتين والبيروقراطية الحكومية.
وقال السيد الرئيس إنّ التبرع لسوريا ليس صدقة عليها بل تعبير عن حبها والانتماء إليها، وسوريا هي الشعب قبل أن تكون الأرض.
هكذا مبادرات مجتمعية يُسهم الأغنياء والموسرون بالنسبة الأكبر فيها، قد تُلغي أو تُقلّل أي تنافس أو صراع بين الطبقات، فلن تكون المدن السورية مستقبلاً تُطوّقها أحزمة البؤس والفقر أو مدن الصفيح. ومن وظائف تلك المبادرات المحلية خلق بيئة تنمية واستقرار في الريف تُخفّف الهجرات إلى المدن.
ستتطور تلك المبادرات المحلية مستقبلاً كماً ونوعاً، وممكن أن تشكّل نموذجاً سورياً يُحتذى به لمن سيمرّ بظروف مشابهة. ولن يكون مجدياً تقليد الآخرين كاجترار تجارب رواندا وجنوب أفريقيا أو غيرهما، إنما النجاح سيكون سورياً وبأيدٍ سورية ورأسمال سوري.