شراشيب الماضي

0

ما الّذي نكز خاطري فومض بما حدث ذلك اليوم وأنا أوشوش تلك الزّهور المتوالدة في التّربة الطّاهرة سنة بعد أخرى؟

تذكّرت!

لعلع الرّصاص.. فصحوت.. فركت عينيّ.. وأسرعت إلى خالتي: هناك عرس؟! أنذهب إليه؟

– لا، هذا ليس كما تظنّ

– ما هو…؟

– احتفال…

– سأتفرّج من الشّرفة

– اهدأ…، وأرخت السّتائر…

– هيّا… إلى بيتنا

– لا يمكننا الآن…

– ربما يكون أبي اشترى لي “ميكانو”.

– انتظر ليحضر جدّك

وازدادت الجلبة في الخارج، وتعالت صرخات نسوة مختلطة بهدير سيّارات، وانفجارات…، بدأتُ أتساءل وهي تذهب إلى المطبخ وتعود، تفرك يديها ببعضهما وتتمتم…، انتابتني حيرة، وأخذ الخوف يتسرب إليّ، فانكمشت أراقبها، وأتوقّع أمراً لا أعرف كنهه…، شعرت بتوترها فعزفت عن الكلام…، مرّت الدقائق كأنّها ساعات، وتخيّلت عقارب السّاعة على الجدار عجائز تجرجر رجليها بصعوبة…

جاء جدي مكفهرّاً وبقايا التّراب ما تزال عالقة بثيابه، رمى نفسه على الكرسي، وأسند كوعه على الطاولة. قالت خالتي: ماذا فعلتم؟

– دفناها في حديقة البيت

– وسعيد؟

– رفض أن يأتي.. لا يرغب بترك داره.. سأبدل ثيابي.. وقبيل الغروب نتسلّل إليه لنساعده… توجّست شراً، ولم أسأل…، ولمّا كادت الشّمس تغرب، وضعفت الأصوات وتقطّعت…، وتمشّى هدوء حذر في المكان جمعت الخالة كلّ ما لديها من خبز وبعض طعام، وأمسك جدي بيدي وانطلقنا. لم يكن الشّارع جميلاً كما عهدته.. واجهات البيوت سوّدها الدّخان فتشوّهت، والطّرقات والأرصفة تحفّرت. جدّي مَن فعل ذلك؟

– إنّه جنون الحرب يا صغيري، وضغط على أصابعي ليدفعني أن أسرع كأنّما يقول: اسكت…، دخلنا الحارة…، سخام يغطي واجهة العمارة.. شرفات تخلّعت حماياتها.. جدران مسوّدة.. وشبابيك محطمة…، وصلنا…،

– أين أمّي؟

– ذهبت تزور جدّتك…؟

– ومتى ترجع؟

– لم تقل…

– ولعبتي الجديدة؟ منذ يومين وعدتني بها، هل جلبتها…؟

ربّت على كتفي وهو صامت وفي عينيه بريق يلمع، وخرجت من بين شفتيه ينتزعها انتزاعاً: عذراً يا ولدي، لم أستطع شراءها لك، ولم أغادر المنزل مذ ذهبت صباحاً مع خالتك. وساد صمت ثقيل…، جالت عيناي في الصّالة.. شاهدت النّوافذ بلا زجاج، وبعض بقاياه مازالت على الأرض.  ما الذي جرى؟

– لا تخف.. انفجار بسيط هشّمها، ولم أُزِل ما تبقى…، ومضت السّهرة وهم صامتون ينظرون في وجوه بعضهم وسط تنهيدات…، ولم تؤبْ والدتي من زيارتها.. كرّرت السّؤال فحضنتني خالتي بقوة، وأجهشت باكية: أردتها رصاصة قناص فسافرت وارتقت روحها إلى السماء.. ادعُ لها بالرحمة، وفتح الجميع راحاتهم…، فتساقطت حبات لؤلؤ من أحداقهم حبسوها عني طويلاً. خبّأت وجهي في ثنايا صدرها حتى بلّلتْه دموعي…، مسحتْ على شعري وهدّأتني إلى أن غفوت وأنا في حضنها…

وضع أبي شاهدة رخام فوق جدثها بين شجيرات كانت تحبّها وترعاها، وغرس وروداً فوقه، رويتها وخالتي صباح كل يوم…، قلت لها مداعباً إيّاها: هل تمكثين عندنا…؟ ابتسمت.. ورجوتها أن تصير أمّي…، تلمّست رأسي بحنان، وأجابت: أجل، لن أخذلك، وبموافقة جدّك، هذا ما قررناه سوياً…

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني