
سورية.. حين ينهض التاريخ من ذاته
ليس للبلاد التي تُولد من رمادها إلا أن تعود ناراً وضياءً. هكذا تظهر سورية اليوم، في اللحظة ذاتها التي يستعيد فيها السوريون ذكرى تحرير الثامن من كانون الأول، تلك الذكرى التي لم تحفر في الذاكرة فحسب، بل حفرت مساراً كاملاً من الصمود والثبات، لتكون حجر الأساس الذي تقف عليه سورية وهي تعود إلى المسرح الدولي بثقة الواقف على أرضه. فالعام 2025 لم يكن عاماً عابراً في الذاكرة السياسية السورية، ولا في سجل الحراك الإقليمي والدولي.
سورية التي صمدت أمام محاولات العزل والحرب والإرهاب تعود اليوم ليس بوصفها ساحة صراع كما أراد لها خصومها، بل بوصفها فاعلاً ناضجاً في توازن الشرق الأوسط الجديد.
ومن يتابع التحولات المتسارعة في الأسابيع الأخيرة يمكنه أن يلمس بوضوح أن دمشق لم تعد محطة مراقبة، بل باتت نقطة ارتكاز.
فمنذ أعوام طويلة كان العالم ينظر إلى سورية من وراء الزجاج، يقرأ عنها ولا يقرأها، يسمع صداها ولا يسمع صوتها.
واليوم يدخل العالم إليها لا كمتفرج بل كشريك، حين وصلت إلى دمشق بعثة مجلس الأمن الدولي بكامل أعضائها الخمسة عشر في حدث لا يشبه ما قبله، لا من حيث الحجم ولا من حيث الرسالة، ولا من حيث التوقيت الذي سمعت فيه البعثة صدى أفراح الشعب السوري بذكرى التحرير.
فالزيارة لم تكن وفوداً تعبر الحدود، بل كانت اعترافاً يعبر التاريخ:
أن دمشق ليست ملفاً، بل عاصمة قرار، وأن المنطقة لا تستقر إلا حين تكون سورية في مقعدها الطبيعي من المعادلة.
ولعل ما عزز هذا التحول هو ذلك المسار السياسي الذي انفتح باكراً مع زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وما تلاها من استقبال رسمي في البيت الأبيض وإعلان رفع العقوبات عن سورية إيذاناً بأن زمن القطيعة قد انتهى.
لم يكن ذلك مجاملة بروتوكولية، بل كان كسراً لصمتٍ طال، وفتحاً لبابٍ لم يُفتح منذ سنوات طويلة، وإقراراً دولياً بأن سورية ليست فقط دولة بقيت واقفة، بل دولة تعود.
هنا يصبح السؤال مشروعاً: ما الذي تغيّر؟ والإجابة لا تُطلب من الكلمات بل من الواقع:
تغيّر أن سورية خرجت من الحرب بروحٍ لاتزال قادرة على الفعل.
تغيّر أن الدولة التي صمدت بالسلاح عادت تُحاور بالكلمة.
تغيّر أن العالم أدرك أن الشرق لا يُدار من خارجه، وأن سورية ليست مساحة تُدار، بل قوة تُصنع منها المعادلات.
ولذلك كانت الزيارة الأممية اعترافاً لا يحتاج ترجمة، وكانت الخطوات الأميركية إعلاناً لا يقبل التأويل.
لقد عاد العالم ينظر إلى دمشق كركن يرتكز عليه الأمن الإقليمي، وكبوابة لا عبور للسلام دونها، وكحاضر لا يمكن تجاوزه مهما اختلفت المواقف وتباينت الحسابات.
وعند هذه النقطة تحديداً يصبح الربط بين الأمس واليوم أكثر من مجرد مقارنة تاريخيّة؛ فهو كشف لتماثل الروح بين زمنين.
تحرير الأرض في الثامن من كانون الأول كان إعلاناً أن سورية تستعيد العالم من حولها.
لم تنتصر سورية لأنها خرجت من الحرب فقط، بل لأنها استطاعت أن تحول الدم إلى سياسة، والركام إلى حضور، والجراح إلى مقعد في طاولة القرار.
وهذه ليست عودة عابرة، ولا موجة دبلوماسية مؤقتة، بل بدايات لمرحلة يُكتب فيها الموقع السوري من جديد بمفردات لا تكتبها الأطراف الأخرى، وبحبر لا يملك سيولته إلا السوريون.
إن من يقرأ المشهد اليوم يدرك أن سورية لا تدخل الزمن الدولي، بل الزمن ذاته يعود إليها. لا تطلب مكاناً بل يُطلب منها. لا تفتح باباً، بل تُفتح لها الأبواب.
وهذا في السياسة ليس حدثاً بل لحظة تاريخ. وحين تسير الدولة بهذه الثقة، وتستعيد حضورها بهذه الوتيرة، يصبح المشهد أقرب إلى عودة الشمس بعد ليل طويل، لا تتوهج لأنها جديدة، بل لأنها لم تُطفأ.
فالأمم العظيمة لا تحتاج إلى ولادة ثانية… يكفيها أن تتذكر نفسها. وهذه هي سورية اليوم: بلد لا ينهض فقط، بل ينهض كأنه ينهض للعالم كله.
إن سورية الجديدة ليست سورية ما بعد الحرب فقط، بل سورية المستقبل.
وإذا كانت المنطقة تُعاد صياغتها من جديد، فإن سورية لم تعد الرقم الصامت في هذه المعادلة، بل الرقم الذي يغير الحسابات.
سورية التي تعود بثقة، وتشارك في الحوار الدولي بثبات، وتثبت للعالم أن الأوطان لا تسقط ما دام فيها شعب يصونها، وجيش يحميها، وقيادة تعرف كيف تفتح الأبواب من جديد حين يظن البعض أنها أُغلقت إلى الأبد.
سورية لا تستعيد مكانها فقط.. بل تستعيد زمانها.