سوريا 2026 من ساحة للصراع إلى منارة للاستقرار

0 53

في ربيع 2026، تحاول سوريا النهوض كجزيرة هادئة وسط عواصف المنطقة. دمشق اليوم ترفع شعار “تصفير المشاكل” والاعتماد على السوريين أنفسهم لإدارة بلدهم، بعدما استعادت قرارها المستقل وطوت صفحة النفوذ الإيراني تماماً.

لكن المواطن السوري، الذي عاش سنوات صعبة، لا يزال يسأل بحذر: هل سننجح فعلاً في حماية أنفسنا والبقاء بعيداً عن حروب الآخرين؟ والعالم يشهد اليوم لحظة تاريخية فارقة وتحولات كبرى، فهل تمتلك السلطة الانتقالية القدرة والذكاء للاستثمار في هذه الفرصة النادرة؟ هو قلق مشروع وتساؤل ينبع من الخوف على هذه البداية الجديدة فهل يكفي قرارنا الداخلي وحده لمنع القوى الخارجية من جرّنا مجدداً إلى صراعاتها.

بينما يلتفت السوريون بكل ثقلهم لإعادة الإعمار، ألقى الصراع المحتدم بين واشنطن وطهران بظلاله الثقيلة على المشهد الإقليمي. سياسياً تجد الدولة السورية الجديدة نفسها أمام “كمينٍ” دولي محكم حيث تتزايد الضغوط الخارجية والدفع المستمر لمحاولة إقحام السوريين في مواجهة مباشرة لا تخدم أهدافهم الوطنية. هناك إصرارٌ من بعض القوى الدولية على زجّ السوريين في صدامٍ دموياً مع حزب الله اللبناني والميليشيات الشيعية العراقية، وكأن الهدف هو تحويل السوريين مجدداً إلى “وقود” لحربٍ إقليمية عبثية تستنزف طاقاتهم الموجهة للبناء والنهوض. ورغم هذه الاستفزازات ومحاولات “التوريط” القسري، تظل الجغرافيا السورية صامدة ومحفوظة فلم تشهد الأرض السورية أي استهداف إيراني مباشر حتى هذه اللحظة، والواقع القائم هو حالة من القلق والتهديدات الكلامية التي ترفض دمشق أن تنجرّ خلفها أو تسمح لها بتعطيل مسارها السيادي.

اقتصادياً، الصدمة كانت مزدوجة وتحمل في طياتها تحدياتٍ وفرصاً كبرى. فمن جهة، ارتفع سعر برميل النفط عالمياً ليتجاوز 110 دولارات نتيجة توترات الممرات المائية، مما ضغط بشكل مباشر على ميزانية الدولة. ومن جهة أخرى، برزت سوريا كـ “مفتاح أمان” دولي وحلٍّ لأزمة الطاقة؛ حيث يدور الحديث اليوم عن مشروع استراتيجي عملاق لمد خط أنابيب لنقل النفط من الخليج العربي مباشرة إلى الساحل السوري. هذا الخط، الذي يطمح لنقل 5 ملايين برميل يومياً، يمثل البديل الاستراتيجي الأهم لمضيق هرمز، ويضع سوريا في قلب خارطة الطاقة العالمية كضامنٍ للاستقرار، وممرٍّ آمن يربط منابع النفط بالأسواق الأوروبية بعيداً عن مناطق النزاع.

هذا الانفتاح الاقتصادي يتجسد أيضاً في “تكامل الموانئ” مع الأردن لاستخدام ميناء اللاذقية السوري كمنفذ أساسي له على البحر المتوسط، بينما فتحت الأردن أبواب ميناء العقبة الأردني أمام السوريين وتجارتهم المتجهة نحو البحر الأحمر والعمق الأفريقي. هذا التعاون ساهم في كسر طوق العزلة وخفف من تكاليف الشحن التي أرهقت المنطقة.

وتبرز هنا حنكة الدولة السورية بمؤسساتها الجديدة، في إدارة هذا الحبل المشدود ببراعة. فبينما تواجه ضغوطاً دولية هائلة لزجّ القوى الوطنية في صراعات الميليشيات، تصرُّ الدولة على خيار “الحياد “، موجهةً الدفة نحو الداخل السوري أولاً. إنَّ القوة السورية اليوم لا تكمن في الانخراط بحروب الآخرين، بل في تحويل الجغرافيا الوطنية إلى منطقة “تشابك مصالح” عالمية تجعل من استقرار دمشق ضرورةً دولية. ومن خلال الموازنة الدقيقة بين طموحات “أنابيب النفط” وتكامل الموانئ وبين حماية المكتسبات الثورية، تواصل الدولة ترسيخ نموذج مؤسساتي لا يرهن قراره لأحد، ويستثمر في العلم والرقمنة ليبني وطناً محصناً ضد رياح السموم الخارجية، مؤكدةً أن السوريين اليوم هم أسياد قرارهم وأن زمان التوريط قد ولى بلا رجعة.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني