
سوريا بعد الأسد: دولة هشة على حافة الثورة المضادة
في نهاية 2024، انهار نظام حكم دام أكثر من خمسة عقود. بعد هجوم عسكري من الشمال، تقدمت قوات المعارضة إلى دمشق، وهرب بشار الأسد، أُعلن قائد هيئة تحرير الشام، أحمد الشرع، رئيساً انتقالياً للبلاد، معلناً بداية “عهد سوريا الجديدة“.
لكن سوريا التي تسلمها الشرع لم تكن دولة متماسكة، بل ساحة مقسمة تعج بأمراء الحرب والولاءات المتضاربة. لقد نجح في كسب اعتراف دولي وإلغاء عقوبات مثل “قانون قيصر”، لكن سيطرته الفعلية داخل البلاد ظلت هشة ومتنازعاً عليها من قبل قوى عديدة. هذا الفراغ والتقسيم هو التربة التي ينمو فيها السؤال عن فرصة “ثورة مضادة”.
لم يتمكن الشرع من توحيد البلاد تحت حكم مركزي قوي. بدلاً من ذلك، واجه تحديات كبرى في عدة جبهات:
جبهة “قسد” (شرق الفرات) تسيطر قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المدعومة أمريكياً على ثلث مساحة سوريا تقريباً، بما فيها أغنى حقول النفط. رغم توقيع اتفاق لدمجها في الجيش الوطني في مارس 2025، لم يُنفذ الاتفاق عملياً. مما يجعل هذه المنطقة منطقة نفوذ منفصلة تشكل تحدياً وجودياً لفكرة الدولة المركزية التي يريدها الشرع.
جبهة السويداء والجنوب: شهدت محافظة السويداء اضطرابات دامية بين مجموعات درزية وعشائر عربية، تدخلت فيها القوات الحكومية. وتصف التقارير أن أجزاء من الجنوب يسعى دروزها إلى إقامة دولة مستقلة بدعم إسرائيلي. هذه التوترات المجتمعية والطموحات الانفصالية تخلق بؤرة أخرى.
جبهة الساحل العلوي: يخشى العلويون على الساحل من أعمال انتقامية، خاصة بعد أحداث دموية تعرضوا لها في مارس 2025. هذا الخوف المجتمعي العميق يجعل المنطقة قابلة للاستقطاب والاضطراب، وقد تشكل قاعدة تعاطف لأي تحرك من “فلول” النظام السابق.
من هم “الثورة المضادة”؟
في هذا السياق الهش، تبرز عدة قوى يمكن وصفها بما أشار إليه البعض بـ”الثورة المضادة”:
فلول نظام الأسد والولاءات القديمة: وفقاً لتسريبات نُشرت، لا تزال قيادات من النظام السابق تحاول تنظيم أعمال مسلحة ضد الحكومة الجديدة. يتركز نفوذ هذه المجموعات غالباً في المناطق العلوية وعلى الساحل.
المتشددون الجهاديون (خطر من الداخل) يعتبر أحمد الشرع نفسه هدفاً للجهاديين المتشددين الذين يرونه “مرتداً” عن المشروع الجهادي، خاصة بعد انضمامه للتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية. هذه الخلايا، تشكل تهديداً أمنياً مباشراً للحكومة من داخلها.
القوى الانفصالية والميليشيات المحلية: كل من “قسد” في الشرق والمجموعات المسلحة في السويداء وجنوب البلاد تسعى للحفاظ على كياناتها الخاصة أو الحصول على حكم ذاتي. مقاومتهم للاندماج في الدولة المركزية هي شكل من أشكال التمرد على سلطة دمشق الجديدة.
هل هناك فرصة حقيقية للعودة؟ إجابة هذا السؤال معقدة وتتوقف على عدة عوامل:
ضعف الحكومة المركزية: الحكومة الجديدة لا تزال في طور البناء وتعاني من هشاشة أمنية شديدة. عجزها عن بسط السيطرة الكاملة على الأرض.
التدخلات الإقليمية والدولية: تعقد الصورةَ دعمُ دول مثل الولايات المتحدة لـ”قسد”، والدعم الإسرائيلي المحتمل لنزعات انفصالية في الجنوب، والمصالح التركية المتقلبة. هذه التدخلات قد تُضعِف الحكومة أو تدعم أحد أطراف “الثورة المضادة” لتحقيق مصالح جيوسياسية.
الإرث الاقتصادي والاجتماعي الثقيل: الاوضاع الاقتصادية والفقر وتفكك النسيج الاجتماعي يخلقان أرضاً خصبة للسخط وعدم الاستقرار، مما يزيد قابلية البلاد للانفجار.
الخلاصة
سوريا اليوم دولة هشة في مرحلة انتقال محفوفة بالمخاطر. “الثورة المضادة” ليست كتلة واحدة، بل هي خليط من فلول النظام القديم، والمتشددين الجهاديين، والقوى الانفصالية المحلية. فرصتهم في الإطاحة بالنظام الجديد لا تعتمد فقط على قوتهم الذاتية، بل أساساً على فشل حكومة الشرع في تحقيق أمرين حاسمين: توحيد الجيش تحت قيادة وطنية واحدة، وتحقيق استقرار اقتصادي ومعيشي يرضي شعبًا أنهكته الحرب. طالما بقت البلاد مقسمة وغارقة في الأزمات، ستظل أبواب الفوضى والصراع مفتوحة على مصراعيها لأي قوة ترغب في قلب الطاولة.