
سوريات في قلب العاصفة: العنف الممنهج ورهان العدالة في سوريا الجديدة
حين ينهض الوطن من صبر نسائه:
في اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة، تعود الذاكرة السورية إلى سنوات ثقيلة حملت فيها النساء العبء الأكبر من الألم والخسارة. خمس عشرة سنة كانت السوريات خلالها شواهد على القمع، وفاقدات أحبّة، ونازحات، ومقاتلات من أجل الحياة.
ورغم أن نظام بشار الأسد سقط في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، فإن آثار العنف الذي مورس بحق النساء لا تزال حاضرة بقوة.
بيان الشبكة السورية لحقوق الإنسان لعام 2025 يعيد فتح هذا الملف، مؤكداً أن الانتهاكات اتخذت طابعاً منهجياً ومتواصلاً، وأن النساء كنّ خط الدفاع الأول عن الحقيقة والعدالة رغم إقصائهن عن مواقع القرار.
الانتهاكات بالأرقام: مشهد يفرض مواجهة شجاعة:
تكشف بيانات الشبكة واقعاً شديد القسوة:
مقتل 29,358 أنثى منذ آذار 2011 حتى تشرين الثاني 2025، من بينهن 22,123 على يد النظام السابق (76%).
23% من الضحايا أطفال إناث، بينما كان عام 2013 الأعلى في عدد القتلى.
10,257 امرأة وفتاة ما يزلن مختفيات أو معتقلات، منهن 8,501 لدى النظام وحده (83%).
تسجيل 118 وفاة تحت التعذيب، بينها 97 في مراكز النظام (83%).
توثيق 11,583 حالة عنف جنسي، منها 8,034 ارتكبتها قوات النظام (69%).
توثيق 919 اعتداءً على منشآت طبية، بينها 566 منسوبة للنظام (62%).
إنها أرقام تعكس حجم الجرح، وتضع مسؤولية واضحة على عاتق الدولة الجديدة ومسارات العدالة الانتقالية.
نساء صنعن حضوراً كبيراً رغم الغياب عن القرار:
على الرغم من موجات القمع والتهجير، بقيت السوريات في قلب المشهد المدني والإنساني: وثّقن جرائم، أسندْن الأسر المشرّدة، أدرن مبادرات اجتماعية، وشاركن في حمل عبء الحياة اليومية وسط الحرب.
ومع ذلك، لا يزال وجودهن في مواقع القيادة وصنع القرار محدوداً، وهو ما يهدد بقاء رؤيتهن خارج عملية إعادة بناء الدولة، ويضعف فرص تحقيق إنصاف حقيقي للمتضررات.
المرحلة الانتقالية: فرصة لتصحيح المسار وإعادة بناء الحماية:
تشير الشبكة إلى أن المرحلة الانتقالية الحالية تمثل فرصة نادرة لوضع أسس جديدة تحمي النساء وتعترف بتضحياتهن.
وتقوم رؤيتها على ثلاث مسارات مترابطة:
1. مشاركة فعلية في صياغة السياسات الوطنية:
يتطلب ذلك إدماج النساء في اللجان الوطنية، والهيئات المحلية، والمؤسسات الأمنية والقضائية بما يضمن مقاربة شاملة لاحتياجاتهن.
2. إطار قانوني واجتماعي يضمن الأمان والكرامة:
يتضمن تطوير القوانين، وتفعيل المحاسبة، وتوفير برامج الدعم النفسي والاقتصادي، وإنشاء مراكز حماية للفتيات المعرّضات للخطر، والحد من اعتقال النساء أو تهجيرهن في المرحلة الانتقالية.
3. استمرار التوثيق ومسارات المساءلة:
من خلال قواعد بيانات دقيقة، وآليات إبلاغ آمنة، وتمكين الضحايا من الوصول إلى الدعم القانوني، بما يعزز تحقيق العدالة وترميم الثقة.
مستقبل سوريا يبدأ من قوة نسائها:
إن حماية السوريات وتمكينهن مسؤولية وطنية قبل أن تكون التزاماً قانونياً. فالمستقبل السوري لن يتقدّم من دون الاعتراف بآلام النساء وترسيخ حضورهن في المؤسسات الجديدة.
إن الإنصاف هو الطريق لبناء بلد لا يعيد إنتاج العنف، ويمتلك شجاعة مواجهة ماضيه، ويمنح نساءه المكانة التي يستحقنها.
فالنساء اللواتي وقفن في العاصفة… هنّ البذرة التي يمكن أن تنمو منها سوريا أكثر عدلاً وطمأنينة.