ستة أيام من اللهب… وستون عاماً من الصمت: سوريا بين نيران الطبيعة وخذلان العالم

0

في كل مرة يطرق فيها الخطر أبواب السوريين، تتكرر المأساة: الطبيعة تثور، والدعم الدولي يتأخر، والمواطن هو الضحية الدائمة.

بعد مرور أقل من عامين على زلزال شباط/فبراير 2023، تجد سوريا نفسها من جديد في قلب كارثة بيئية – هذه المرة على هيئة نيران متسارعة التهمت الأخضر واليابس في الساحل السوري.

ما يثير الفزع ليس فقط حجم الدمار، بل الصمت المطبق والتقاعس المنهجي من الجهات الدولية والأممية.

الحرائق التي اندلعت في 30 حزيران/يونيو 2025 كشفت هشاشة المنظومة الإنسانية العالمية، وعرّت ازدواجية المعايير في الاستجابة للكوارث، وكأنّ أرواح السوريين لا تزال خارج الحسابات الإنسانية.

حرائق بلا إغاثة: 14,000 هكتار تحت رماد الإهمال:

في غضون ستة أيام فقط، اجتاحت النيران ما يزيد عن 14,000 هكتار من الغابات والأراضي الزراعية السورية – أي ما يعادل 140 كم² – وهو ما يمثل أكثر من 4% من إجمالي الغطاء الحرجي الوطني.

لم تكن هذه مجرد حرائق عرضية، بل كارثة ممنهجة طالت 34 موقعاً رئيسياً في أرياف اللاذقية وطرطوس، أبرزها مناطق ذات أهمية إيكولوجية مثل جبل التركمان، الفرنلق، رأس البسيط، قسطل، معاف وربيعة.

امتدت جبهة النيران على طول أكثر من 23 كيلومتراً، مهددة محمية الفرنلق الطبيعية – آخر الغابات الكثيفة المتبقية في الساحل السوري.

وقد اضطرت مئات العائلات إلى النزوح من قرى بيت عيوش، المزرعة، صبورة والبسيط، فيما تأثر أكثر من 5000 شخص بشكل مباشر.

إخفاق دولي يتكرر: نفس الإهمال، وجه جديد للكارثة:

لم تكن هذه الكارثة الطبيعية اختبارًا للقدرات اللوجستية بقدر ما كانت اختبارًا لمصداقية النظام الإنساني الدولي – وهو اختبار فشل فيه العالم مجددًا.

بعد أربعة أيام كاملة من اشتعال النيران، لم يكن لدى الأمم المتحدة سوى ما وصفته بـ “تقييم عاجل”، بينما كانت النيران تلتهم آلاف الهكتارات كل ساعة.

هذا المشهد يعيد إلى الأذهان ما حدث بعد زلزال شباط/فبراير 2023، حين اضطر مارتن غريفيث، رئيس الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، إلى الاعتراف بأن المنظمة “خذلت سكان شمال غرب سوريا”.

إنها مأساة الإهمال بنسخ متعددة… كارثة تتكرّر، لكن الاستجابة تبقى غائبة.

الريادة المناخية الأوروبية… مجرّد شعارات؟

فيما تدّعي الدول الأوروبية ريادة القضايا البيئية والمناخية، لم تحرك مؤسسات الاتحاد الأوروبي ساكنًا طوال ستة أيام من الكارثة.

تمتلك أوروبا واحدة من أسرع آليات الإغاثة – “آلية الحماية المدنية الأوروبية” – والتي تتيح نشر فرق ومعدات إطفاء خلال 24 ساعة. ورغم ذلك، غاب الفعل وبقي الخطاب.

إنَّ هذا التناقض بين المبادئ المعلنة والممارسات الواقعية يكشف تمييزًا فجًّا، ويضع علامات استفهام خطيرة على صدقية الالتزامات المناخية الأوروبية، خاصة فيما يخصّ الشعوب التي تعاني من أزمات سياسية أو أمنية.

المنظمات الإقليمية: غياب كامل عن ساحة الكارثة:

على مستوى الإقليم، كان الصمت أكثر إحباطًا، لم تُصدر جامعة الدول العربية أي موقف جماعي ولم تُنسّق أي استجابة مشتركة، وكأن النيران لا تهمّ الأمن البيئي العربي.

أما البنك الدولي، فالتزم صمتاً مطبقاً، على الرغم من أن الحرائق دمّرت أجزاءً من البنية التحتية الزراعية وخلّفت آثاراً مباشرة على اقتصاد الريف الساحلي السوري.

هذا الغياب لا يُعبّر عن عجز فني، بل عن تخلٍّ صريح عن أبسط واجبات التضامن في لحظة حرجة من تاريخ البلاد.

الرد الإقليمي: نموذج يُثبت أن المساعدة ممكنة:

رغم كل هذا التخاذل، برزت نماذج مشرفة من دول الجوار، أثبتت أن الدعم الفعلي ممكن وسريع عند توفر الإرادة السياسية:

تركيا: أرسلت مروحيتين و11 سيارة إطفاء فور تلقيها نداء الاستغاثة في 5 تموز/يوليو.

الأردن: بادر بإرسال فرقتي دفاع مدني ومروحيتين “بلاك هوك” مزودتين بأنظمة إطفاء حديثة.

لبنان: رغم أزمته الاقتصادية الخانقة، تمكن من إرسال مروحيتين في 7 تموز/يوليو.

بينما استغرق المجتمع الدولي 96 ساعة ليعلن “تقييماً مبدئياً”، كانت هذه الدول قد وضعت معداتها على الأرض. الفارق هنا لم يكن في الإمكانيات، بل في النوايا.

انتهاكات صريحة للقانون الدولي:

انتهاك مبدأ عدم التمييز:

التفاوت في الاستجابة بين سوريا ودول أخرى يمثّل خرقاً جوهرياً لهذا المبدأ الإنساني المعتمد دوليًا.

إخلال بالالتزامات البيئية الدولية:

اتفاق باريس للمناخ واتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن التغير المناخي تفرضان واجب الاستجابة العادلة للكوارث… وهو ما لم يحصل.

نمط متكرر من الإهمال:

إنّ ما جرى في تموز 2025 ليس حادثة معزولة، بل امتداد لنمط متكرر من الفشل والإهمال في التعامل مع الكوارث في سوريا، حتى بات هذا النمط يُهدد بفقدان الثقة الكاملة بالمنظومة الدولية لحقوق الإنسان والإغاثة.

مطالب عاجلة باسم الكرامة والحق في النجاة:

تطالب الشبكة السورية لحقوق الإنسان باتخاذ الإجراءات العاجلة التالية:

من الأمم المتحدة:

● إعلان حالة طوارئ بيئية في سوريا.

● تفعيل صندوق الاستجابة المركزية بمبلغ لا يقل عن 75 مليون دولار أمريكي.

● إرسال فرق بيئية متخصصة من OCHA وUNEP خلال 24 ساعة.

● تشكيل لجنة تحقيق مستقلة لكشف أسباب تأخر الاستجابة، ونشر نتائجها خلال 30 يوماً.

من الاتحاد الأوروبي:

● تفعيل “آلية الحماية المدنية الأوروبية” خلال 48 ساعة.

● إطلاق مبادرة للعدالة المناخية في منطقة البحر المتوسط تشمل سوريا كشريك فعلي وليس هامشياً.

كفى موتاً بالصمت… التضامن الإنساني لا يُجزأ:

إنّ كل ساعة تأخير كانت تعني شجرة أخرى تحترق، منزلًا آخر يُهدم، وعائلة جديدة تُهجّر.

ستة أيام من النار كشفت أنَّ التخاذل الدولي لم يكن وليد المفاجأة، بل استمرارًا لنمط مؤلم من التجاهل والتمييز.

السوريون لا يطلبون المستحيل، بل يطالبون بحقهم في النجاة، في التضامن، في حياة لا يحكمها الرماد والصمت.

فهل نحتاج إلى كارثة جديدة لنقنع العالم أنَّ أرواح السوريين ليست أقل قيمة من سواها؟

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني