رهانات قسد الخاسرة… سوريا واحدة بجيش واحد وحكومة واحدة

0

لم تتوقّع ميليشيا قسد أن تصل بها الأحداث إلى مثل هذا اليوم؛ كانت مُدلَّلة من الجميع، ومَرعيّة من قوى عظمى، وليس أدلّ على ذلك من أنّ موسكو وواشنطن من تلك القوى الداعمة والراعية لها، وقد تحالفت معها في سوريا وأسبغت عليها حمايتها. ولكي نكون منصفين أو موضوعيين في تحليل علاقة ميليشيا متعددة الجنسيات في سوريا مع قوى عظمى وأخرى إقليمية، فقسد في الواقع لم تكن أكثر من أداة أرضية أو مخلب لكل القوى التي دعمتها، وهي ببساطة كانت تُقدّم نفسها كبندقية للإيجار، ومخلب يُستعمل للنيل من الخصوم، بمعنى تأدية خدمات للداعمين، وتلك الخدمات بالضرورة لا تخدم الشعارات التي ترفعها تلك الميليشيا.

حاربت قسد شرقي الفرات تحت الحراب الأمريكية، فيما كانت تُحارب في غربه تحت الحراب الروسية، وكانت تُحقّق أجندات القوى الراعية لها، وبالتأكيد كان قادتها يحلمون (وبدؤوا يشعرون أنّ حلمهم أصبح حقيقة) أنهم سيكونون إسرائيل ثانية، ستزرعها القوى الدولية كخنجر لها في البحر العربي والتركي السني في المنطقة. ولم يُدرك قادتهم دروس التاريخ القريب، اعتباراً من معاهدة سيفر وما بعدها، وتوقّعوا أن لا تقلّ كردستان السورية أهمية عن كردستان العراقية، وبالتالي ممكن بناء الدويلة الآن واستثمار الظرف التاريخي الحالي لتثبيت ذلك الحلم على الأرض وتحويله إلى واقع.

رفعت قسد كل الأعلام وتنقّلت بين مختلف الأحضان، لكنها لم ترفع يوماً علم الثورة السورية ولم تُشارك بها، بل حاولت القضاء عليها لأنها وجدت فيها منافساً شرساً، وظنّت أنّ القسمة النهائية ستكون بين الأسد وقسد بتوافق رعاة الفريقين، في تقوية لحلف الأقليات القائم في المنطقة…

لم تتوقع قسد يوماً انتصار الثورة السورية والإطاحة بحليفها الأسد إلى مزابل التاريخ، وبالتأكيد كانت تُفضّل بقاءه ضعيفاً لتقاسم الكعكة السورية معه، ولم تعِ تبدّل الظروف الدولية التي سيتمخض عنها حقبة دولية جديدة، تتموضع فيها القوى في نظام دولي جديد يقوم على أنقاض النظام السابق. وكان قادة قسد ما زالوا يعيشون في الأوهام بأنّ العرب السنّة هم من يُحارب إسرائيل ويُهدّدها وجودياً، وأنّ نفس القوم هو من قام بضربات 11 أيلول 2001، وأنّ العداء الأمريكي مع العرب السنّة سيكون أزلياً، وأنّ تحالف الأقليات القائم في المنطقة (وفي سوريا خاصةً) سيشهد وافداً جديداً، ويتمّ اختراع تاريخ له مؤخراً لتبرير سيطرته على منطقة عربية سنية هامة، مع بروباغندا صيغت له كأبطال للحرية يُحاربون الإرهاب بدعم من تحالف دولي واسع، وأنّ تلك المجموعة العسكرية (الكردية) يمكن بسهولة لها الاتصال جغرافياً مع إسرائيل عبر ممر داوود، حيث تتمكن من إخضاع العرب السنّة في سوريا (تحت دعاوى الإرهاب) وتشكيل عازل يمنع تواصل تركيا مع الخليج العربي، وذلك درءاً لتشكيل محور سني عمودي يمتدّ من البحر الأسود شمالاً إلى بحر العرب جنوباً. ويمكن لتلك القوى العسكرية الكردية أن تتخادم مع محور ولاية الفقيه الشيعي الأفقي، أو أن تُهدّده أيضاً إذا كان من مصلحة أسيادها فعل ذلك…

ومنذ الغزو الروسي لأوكرانيا وتداعياته على سوريا، وصولاً لطوفان الأقصى والزلزال الذي أحدثه في المنطقة، قد يكون قرأه قادتهم من زاوية أنّهم إذا لم يستفيدوا منه، فهو لن يؤذيهم. واعتقدوا بسبب مراهقتهم السياسية وقلة خبرتهم أنهم أداة طيّعة بيد الأمريكان لن يُفرّطوا بها، وتناسوا التاريخ الأمريكي الحديث في التخلّي عن الأدوات ورميها عندما لم يَعُد لها فائدة أو ستصبح عبئاً عليهم.

برأيي، لم يكن الانقلاب الإستراتيجي الأمريكي مفاجئاً إلا لمن أغمض عينيه وأعمى بصره وبصيرته، وكان من السهولة التقاط تلك الإشارات منذ الانسحاب الأمريكي من أفغانستان في بداية عهد الرئيس بايدن…

بالتأكيد سيطر الذهول على قسد عندما أسقطت الثورة السورية حليفهم الأسد، فهذا الحدث الكبير لم يكن مُدرجاً في حسابات أشدّ المتشائمين منهم بضعف نظام الأسد. وبالتأكيد هالهم انتصار تركي، بشكل غير مباشر، عبر وصول حلفاء أنقرة للسلطة في دمشق. وبالتأكيد سيترك ذلك كل الاحتمالات مفتوحة لزيادة النفوذ التركي في سوريا والمنطقة، وبالتالي سيكونون هم الخاسر الثاني بعد الأسد…

يمكن أن قادة قسد راهنوا على الماضي فقط، بمعنى أنهم سيكونون الخيار الغربي المفضّل (وقد يكون العربي أيضاً) لأن تلعب قواتهم الدور الرئيسي في سوريا الجديدة، باعتبارهم حلفاء غربيين مجرّبين، في مقابل القوى الثورية التي انتصرت على الأسد والتي أتت من بيئة جهادية إسلامية معروفة، وهذا القالب المسبق الصنع لن تتمكن من الخروج منه (حتى لو أرادت ذلك)، وهو يُشكّل أحد أنواع ما يُعرف بالإسلام السياسي، بل هو الأخطر من الأنواع كلها. وزاد من قوة وصدق تحليلات قادة قسد أنّ إسرائيل تفاجأت بسقوط صديقها في دمشق، وخافت من الوافدين المنتصرين، فعمدت إلى تصعيد عدوانها على سوريا عبر التوغّل في أراضٍ جديدة لتأمين طوق عازل داخل الأراضي السورية، تُشكّل مع الجولان المحتل سابقاً مسافة أمان كافية، إلى جانب تدميرها لكل المقدرات العسكرية السورية التي كانت بحوزة جيش الأسد لعقود.

ويوجد انطباع أو مُسلّمة عند السياسيين في المنطقة وهي أنّ الولايات المتحدة تنظر للإقليم (وسوريا خاصةً) بعيون إسرائيلية، وتضع المصالح الإسرائيلية فوق كل اعتبار، وهذا صحيح بالتجربة الماضية، لكنه ليس دائماً، فأحياناً ما تختلف النظرة الأمريكية عن الإسرائيلية. ومنذ توقيع الرئيس أوباما لاتفاقه النووي مع إيران عام 2015، خلافاً لكل الرغبات الإسرائيلية، وحديثاً يمكن تلمّس بداية نهج أمريكي جديد في المنطقة، وهو أنّ إسرائيل حليف إستراتيجي في المنطقة لكنها ليست الحليف الوحيد.

دأت خطوات القيادة الجديدة في دمشق كالواثق من خطوته يمشي ملكاً، حيث بدأت في خوض معركة تثبيت شرعية التغيير على المستوى الخارجي والداخلي.

قدّمت الإدارة الجديدة خطاباً واقعياً بعيداً عمّا هو مُتوقّع منها أو ما يتمناه خصومها، وبدأت بكسر طوق العزلة المضاعف المفروض عليها: الطوق الأول هو الجدار الموضوع على سوريا الأسد والذي ورثته باعتبارها أصبحت هي من تحكم سوريا، والطوق الثاني التصنيفات الموضوعة على هيئة تحرير الشام وقيادتها، حيث إنّ اختراق تلك الجدران لن يكون سهلاً، وكان رهان قسد على فشل القيادة الجديدة في كسر تلك العزلة وتقوقعها ضمن التصنيفات السابقة، حيث لن تُفيد حينئذٍ الجهود التركية في تعويم القيادة الجديدة، ويكون بالتالي إسقاط نظام الأسد أسهل بكثير من شرعنة الجلوس مكانه…

وسيؤدي انسداد الأفق الخارجي داخلياً إلى ذهاب السكرة والنشوة التي تولّدت عن سقوط النظام، ومجيء الفكرة بعدم تحسّن الأوضاع المعيشية والاقتصادية الداخلية، وبالتالي انتفاضة داخلية متدرّجة على القيادة الجديدة يُساندها تحالف أقليات ساخط من وصول الأغلبية للسلطة ويخشى من تهميش قادم…

وبسبب الحالة الفصائلية التي سيطرت سابقاً على مشهد الثورة السورية، وإنجاز الهدف الأعلى الذي يجمعها وهو إسقاط النظام، فإنه من الممكن أن يتصدّع أو ينفرط عقد التحالف وتختلف الأهواء والمصالح، وبالتالي يعتري بنية القوى العسكرية للثورة السورية الضعف والتشتت وغياب التنسيق. وهنا تكون قوة قسد المتماسكة والصلبة والمركزية جاهزة لقول كلمة الفصل والتحكّم بموازين القوى وإنفاذ كلمتها على سوريا كلها…

كل مراهنات قسد لم تتحقّق، ليس ذلك فقط، بل تحقّق عكسها. وبالمناسبة، تلك المراهنات كانت واقعية وليست أحلام يقظة.

تمكنت القيادة السورية الجديدة من كسب معركتي الاعتراف الداخلي والخارجي وتثبيت شرعيتها، بحيث أصبح داعمو قسد الرئيسيون هم حلفاء لسوريا الجديدة، بعد أن أزالوا عنها كل العقوبات والتصنيفات، وبات يقول ممثل رئيسهم في سوريا إنّ الطريق أمام قسد وحيد، وهو الطريق إلى دمشق…

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني