خطر إعادة الإنتاج

0

في رمضان عام 2015، يروي الكاتب والصحفي أحمد موفق زيدان أنه التقى بالرئيس أحمد الشرع، وكان الحوار بينهما انعكاساً عميقاً لما تمرّ به سوريا والمنطقة من تحولات. أشار زيدان إلى ضرورة أن تعيد الحركات الإسلامية النظر في مسارها، وذهب أبعد من ذلك حين تحدث عن أهمية أن تفكر جماعة الإخوان المسلمين بحل نفسها، أو على الأقل إعادة إنتاج ذاتها بما يتلاءم مع متغيرات العصر ومتطلبات الواقع السوري والإقليمي.

لكن هذا اللقاء لم يكن مجرد حدث عابر، بل مثّل محطة مهمة في مسار التفكير السياسي للشرع نفسه. فقد بدا وكأنه يراجع تجاربه السابقة ويعيد النظر في حدود الإسلام السياسي وأفقه، مستحضراً إخفاقات التيارات الأخرى في المنطقة، سواء الماركسية أو القومية أو حتى الليبرالية الهشة التي لم تستطع أن تجذر نفسها في المجتمعات. هذه المراجعات فتحت الباب أمام رؤية أوسع وأكثر شمولاً، لكنها في الوقت نفسه تطرح تساؤلات مقلقة: هل يعني هذا التحول أننا بصدد صياغة مشروع وطني جامع، أم أننا أمام احتمال إعادة إنتاج سلطة جديدة بلبوس مختلف؟

إن تجربة سوريا خلال العقود الماضية تجعل الخوف مشروعاً من أن تتحول أي مراجعة فكرية – مهما كانت عميقة – إلى مجرد تبرير لهيمنة فرد أو جماعة جديدة، تتحدث باسم “النهضة” أو “التغيير”، لكنها في العمق تعيد إنتاج آليات الاستبداد ذاتها. الشرع نفسه، رغم انفتاحه المتزايد على الآخر وتأكيده على ضرورة بناء قواسم مشتركة، يبقى جزءاً من نخبة سياسية اختبرت السلطة وعاشت ضمن بنيتها، وهذا ما يجعل التحول الفكري بحاجة إلى ضمانات مؤسساتية وقانونية، لا إلى رهانات على نوايا الأفراد.

من هنا، فإن الدعوة إلى إعادة إنتاج الحركات الإسلامية أو إعادة صياغة الخطاب الأيديولوجي لا تكفي ما لم تقترن بآليات واضحة تمنع نشوء “دكتاتورية جديدة” تحت شعار التجديد. فالتجارب التاريخية، سواء في سوريا أو في محيطها العربي، أثبتت أن التحولات الفكرية الكبرى، إذا لم تترافق مع مؤسسات شفافة ونظم مساءلة، يمكن أن تتحول بسهولة إلى وسيلة لإعادة إنتاج نفس الدائرة المغلقة التي أودت بالبلاد إلى الكارثة.

لكن يبقى السؤال:

هل هذه الدعوات لإعادة إنتاج الذات أو “حل الجماعة” ممكنة عملياً، أم أنها تبقى طرحاً نظرياً يصعب تطبيقه في ظل الانقسامات الراهنة والتجاذبات السياسية العميقة؟

لم يكن الشرع يملك رفاهية التشبث بنصوص جامدة أو بأيديولوجيا مغلقة؛ لقد اختبر قسوة الواقع السوري وتعقيدات الجغرافيا السياسية. ومع مرور السنوات، اتجه تدريجياً نحو رؤية أكثر انفتاحاً على الآخر، وأكثر استعداداً للبحث عن قواسم مشتركة، بدلاً من التمترس خلف خطوط أيديولوجية فاصلة. لكن هل كان هذا التحول كافياً للتعامل مع الواقع المعقد، أم أنه مجرد تعديل سطحي في الخطاب السياسي؟

التحول الفكري للرئيس أحمد الشرع

ما ميّز الشرع في تلك المرحلة هو أنه لم يقف عند حدود الإسلام السياسي الذي انطلق منه، بل بدأ يقارن بين تجارب متعددة: من الماركسية التي حملت شعار العدالة الاجتماعية، إلى القومية العربية التي رفعت لواء الوحدة والتحرر لكنها أخفقت في تقديم نموذج حكم مستقر. ومن خلال هذا التفاعل مع الأفكار الكبرى، أدرك أن الأيديولوجيا لا ينبغي أن تتحول إلى قيد، بل إلى مصدر إلهام يساعد على فهم الواقع وتغييره بمرونة.

مع ذلك، يطرح النقد سؤالاً مهماً: هل المقارنة بين تجارب متباينة ثقافياً وسياسياً يمكن أن تُترجم إلى سياسات عملية على أرض الواقع السوري، أم أنها تبقى انعكاساً فكرياً أكثر منه خطة تنفيذية؟

بهذا المعنى، انتقل الشرع من دائرة “المرجعية المطلقة” إلى فضاء “التفكير الجدلي” الذي يعترف بالتنوع وبالحاجة إلى الحوار. لم يعد ينظر إلى الصراع في سوريا باعتباره صراع هوية دينية فقط، بل كأزمة دولة ومجتمع تتشابك فيها السياسة بالاقتصاد، والتاريخ بالجغرافيا.

الاقتصاد بوصفه المدخل إلى السلام

وسط هذه التحولات الفكرية، كان الشرع مقتنعاً بأن النهضة الحقيقية لا تُبنى على الشعارات وحدها، بل على أساس اقتصادي متين. التجربة السورية خلال العقدين الأخيرين أثبتت أن غياب التنمية العادلة والفرص المتكافئة كان من أبرز أسباب الانفجار الشعبي. لذا، فإن أي مشروع وطني لا بد أن يضع الاقتصاد في قلب معادلاته.

رأى الشرع أن التصالح مع الذات والمحيط هو مفتاح لاستعادة العافية الاقتصادية، لكن السؤال النقدي هنا: هل يمكن أن يكون الاقتصاد وحده المدخل للسلام، في حين أن الانقسامات الاجتماعية والسياسية عميقة جداً وتستند إلى هويات متجذرة؟

التوترات الداخلية، من “قسد” في الشرق إلى الحراك في السويداء، ومن المسألة الطائفية في الساحل إلى الانقسامات العشائرية في الشمال، لم تترك مجالاً لبناء دورة اقتصادية طبيعية. كما أن العلاقات المأزومة مع دول الجوار عمّقت عزلة سوريا الاقتصادية وجعلتها أكثر هشاشة أمام العقوبات والأزمات العالمية.

من هنا، كان حديثه الدائم عن ضرورة “تصفير المشاكل” مع كل الأطراف، بما في ذلك إسرائيل، ليس من منطلق استسلام أو ضعف، وإنما من باب الواقعية السياسية. مع ذلك، يثير هذا الطرح تساؤلات: هل يمكن تصفير المشاكل بشكل عملي دون تنازلات سياسية كبيرة، وهل تقبل الأطراف الأخرى بهذا الخيار؟

نحو عقد اجتماعي جديد

التحول الفكري للشرع مدخل للحديث عن ضرورة صياغة عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة والمشاركة والتنمية. النهضة الاقتصادية، في رؤيته، ليست مجرد هدف، بل أداة للمصالحة الوطنية. فحين تتوفر فرص العمل، وتُعاد إعمار المدن، وتُفتح الأبواب أمام الاستثمارات، تتضاءل فرص النزاعات ويزداد شعور الناس بأنهم شركاء في الوطن.

لكن من منظور نقدي، هل يمكن أن تتحقق هذه الأهداف إذا لم يتم معالجة الانقسامات السياسية والثقافية بعمق؟ هل الاقتصاد وحده قادر على استيعاب الصراعات المعقدة في المجتمع السوري؟

الشرع لم يكن مجرد سياسي يعيد النظر في أفكاره، بل كان رجل دولة يبحث عن صيغة تجمع الماركسية والإسلامية والقومية في بوتقة واحدة: دولة مدنية قوية، عادلة، متصالحة مع شعبها وجوارها، ومنفتحة على العالم.

الأمل وإعادة البناء

ما يعيشه السوريون اليوم ليس مجرد أزمة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، بل صراع وجودي مع الماضي والمستقبل. لقد أثبتت السنوات الماضية أن التشبث بالأيديولوجيات الجامدة لم يعد قادراً على تقديم حلول عملية، بينما الانفتاح على تصفير المشاكل مع المحيط والداخل يشكل المدخل الحقيقي لصناعة السلام، ليس كترفٍ أو شعار، بل كشرط مسبق لأي نهضة اقتصادية أو استقرار سياسي.

حين غيّر الشرع مساره الفكري، لم يفعل ذلك من باب المراجعة الفردية فحسب، بل من باب الوعي بضرورة التوافق التاريخي الذي يتجاوز منطق الغلبة.

وفي قلب هذا التحول، تبرز القضية الاقتصادية كعمود فقري لأي مشروع إصلاحي. التنمية الاقتصادية ليست مجرد تحسين مستوى الدخل أو الإنتاج، بل إعادة توزيع للثقة بين الدولة والمجتمع وإعادة صياغة العلاقة مع المحيط الإقليمي.

ومن هنا، فإن تصفير المشاكل مع لبنان والعراق وتركيا، وفتح قنوات التفاهم مع الخليج وإيران وحتى إسرائيل، ليست خيارات ثانوية، بل ضرورات تمليها حقائق الاقتصاد والعولمة ومصالح الأجيال القادمة.

قد يبدو هذا الطرح حالماً للبعض، لكن التاريخ يعلمنا أن الأمم التي خرجت من حروبها الداخلية أقوى مما كانت، لم تفعل ذلك إلا حين واجهت ماضيها بكل تناقضاته وصاغت عقداً اجتماعياً جديداً يضع الإنسان قبل الشعارات.

إذا نجح السوريون في هذا التحول، فإن سوريا لن تستعيد عافيتها فحسب، بل ستصبح نموذجاً عربياً ملهماً، ينهض بالتعاون بدل التناحر، وبالاقتصاد بدل الحروب، وبالثقة بدل الكراهية.

هكذا فقط يمكن للسوريين أن يبدأوا رحلة العودة إلى التاريخ، لا بوصفهم ضحايا أو تابعين، بل بوصفهم شركاء فاعلين في صياغة مستقبل المنطقة ومكانتها بين الأمم.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني