
حلب.. لا يهم من يرفع الراية، المهم من يرفع “الظلم”
عن عدالة جراحية تنقذ المجتمع السوري من الانتحار
دعونا من البيانات المنمقة قليلاً؛ ففي حلب، ومنذ صبيحة “التحول” الأخير، لم يمتلك الناس ترف البحث عن تصنيفات سياسية لما جرى. هناك حقيقة واحدة كانت تملأ الشوارع: الخوف من المجهول، وإلحاح الأسئلة الوجودية القديمة: متى؟ وكيف؟ ولماذا؟
حين تقرأ لمن يكتبون من فنادق العواصم الباردة عن “طوباوية اللاعنف”، تشعر بفجوة لا تردمها الكلمات. في حلب، ليس الأمن خياراً فكرياً، بل هو أن تمشي في الأحياء القريبة من “الشيخ مقصود” و”الأشرفية” دون أن تلتفت خلفك ذعراً من قذيفة طائشة، أو “زائر فجر” جديد لا مرجعية له سوى بندقيته.
إن الفراغ في حلب ليس مساحة بيضاء للحرية، بل هو وحش يغذي الفوضى؛ وحين يغيب الحسم لا يحل السلام، بل يسود قانون الغابة. لكن، وهنا يكمن الوجع الحقيقي: هل الحسم مجرد “دبابة” تقتحم حياً؟
لقد شبعت حلب وعموم سوريا من مشهد السيطرة العسكرية؛ ما ننشده اليوم هو “السيطرة الأخلاقية”. الناس في الميدان، والسليمانية، والسريان، ودوار الشيحان، ودوار الليرمون، لا يصفقون لمن يفتح الطريق فحسب، بل لمن يفتحه دون أن يبتزهم عند أول حاجز. يراقبون أصابع الجندي بدقة: هل هي على الزناد لحمايتهم، أم تمتد لتصادر أرزاقهم بحجة “المجهود الحربي”؟ هذا التفصيل هو ما يحدد إن كنا أمام دولة تستعيد أنفاسها، أم مجرد “تبديل نوبات” لإعادة إنتاج الخوف ذاته.
العدالة ليست “هبة”.. بل حق يُنتزع بالوضوح
حين نتحدث عن المحاسبة في حلب، فنحن لا نطلب انتقاماً يُشفى به الغليل، بل نبحث عن “مسطرة” واحدة توضع فوق رؤوس الجميع. لا يمكن لمدينة دُمّرت مآذنها وبيوتها أن تنهض بمجرد “عفا الله عما سلف” فضفاضة. العدالة التي ينتظرها السوريون اليوم تبدأ من أصغر “مظلمة” في حيّ شعبي؛ أن يعرف المواطن أين يذهب إذا سُلبت سيارته، أو هُدم جدار بيته، أو تم “تعفيشه” بغير حق.
المحاسبة الحقيقية هي التي تمتلك شجاعة “الاعتذار العلني”. إذا أخطأ عنصر أمني أو جندي في لحظة غضب أو فوضى، فإن القوة الحقيقية للدولة تظهر في تقديمه للمحاكمة أمام الناس، لا في تهريبه من الباب الخلفي. صمت السلطات عن أخطاء صغارها هو الذي صنع الجدران بينها وبين السوريين طوال عقود، واليوم حلب لا تحتمل جداراً واحداً إضافياً.
فخ “القوائم” والتمييز الصارم
أما عن “فلول النظام” وما يُشاع، فكفانا شعارات خشبية. المجتمع السوري ليس لوحة من لون واحد، وهناك خطر حقيقي من تحويل العدالة إلى “انتقائية” وكشوفات وقوائم صماء. إن القصاص العادل في حلب وفي سوريا يجب أن يكون عملية “جراحية”؛ تميز بين من دعم النظام وأعطى الأوامر بالقتل، وبين “عسكري السخرة” أو الموظف الذي كان مجرد برغي في آلة لم يملك حق إيقافها. إذا تحول كل من عمل في مؤسسات الدولة إلى “هدف”، فنحن لا نحاسب نظاماً، بل ننتحر مجتمعياً.
نريد “قضاءً ميدانياً” بمعناه الإيجابي، لا مقاصل الثورة الفرنسية التي لم ينجُ منها أحد؛ سرعة في البتّ ومكاشفة في النتائج. نريد لجان تفتيش لا تدقق في الهويات فحسب، بل في ذمم من يمسكون بزمام الأمور الآن، بعيداً عن عقلية “محاكم التفتيش” التي عرفتها أوروبا في القرون الوسطى. المحاسبة هي الضمانة الوحيدة لكيلا يتحول “التحرير” إلى مجرد “استبدال وجوه”، ولكي يشعر ابن “صلاح الدين” وابن “الموكامبو” أن القانون فوق الرتب والولاءات.
كلمة أخيرة.. قبل أن يجفّ الحبر
إن حلب لا تطلب المستحيل، ولكنها تطلب “الصدق” في السلوك قبل الشعارات. الرسالة الموجهة اليوم لكل من بيده القرار، من أصغر حاجز في “دوار الليرمون” أو الأشرفية إلى أعلى الهرم: إن شرعيتكم لا تُستمد من السيطرة على الأرض، بل من شعور الناس بالأمان في بيوتهم.
المحاسبة والعدالة ليستا “ملفات مؤجلة”، بل هما “الأوكسجين” الذي سيجعل هذا الوضع يستقر أصلاً. إذا شعر الحلبي أن كرامته مَصونة، وأن حقه محفوظ بقوة القانون لا بقوة الواسطة، فسيحمي هو هذه الدولة برموش عينيه. أما إذا عادت عقلية “الاستعلاء”، فنحن نكتب سطور خيبتنا القادمة.
حلب اليوم هي “المرآة” التي سترى فيها سوريا وجهها القادم. لقد تعبنا من “البيانات رقم 1″، نحن ننتظر “القرار رقم 1” الذي يعيد للمواطن السوري اعتباره، ويجعل من العدالة حقيقة ملموسة تُرى في الشوارع، لا حبراً على ورق في المؤتمرات.
انتهى زمن الصمت، وبدأ زمن العمل.. وحلب دائماً هي المبتدأ، وهي الخبر.