جنون

0

كاميرته.. تزهو بصور نادرة تنبض بالحياة، لقد وثّقت لحظات حيّة ستصبح مادة يتداولها الناس كلّ حسب غايته. يستقصون.. ويفسّرون.

كان يلتقط مشاهد الدمار حين وجدها بين الأنقاض… انتشت شهوته لسبق صحفي، اقترب منها.. شرع يصورها.. يدور حولها.. يختار الزاوية الأفضل وهي تنظر إليه مدهوشة، مستفسرة، وكيف لها أن تعلم أنها ستكون مادة إعلان تجارية يتداولها تماسيح يتباكون… ويتّجرون بمآسي الآخرين في عالم منفلت على غارب عقاله.

هدوء يثير الريبة، يعمّ المكان، وهي وحيدة – وسط خرائب وركام – زهرة نبتت.. فراشة بلا أجنحة تواجه الشمس وعصف الريح بعد أن توقّف القصف على حيّها الذي غدا قاعاً صفصفاً. تقدّم شاب منها، أمسك يدها باردة كالثلج وكأنما توقّف دفق الدم فيها. ماذا تنتظرين؟!  كلّ ما حولك صار حطاماً. هيّا يا صغيرتي.. تفحّصته. كانت نظراتها تخترقه.. تتساءل عن الأهل، أيمكنها أن تراهم ثانية؟ مازالت تائهة، لم تدرِ ما حصل، ولماذا…؟ لكِ الله يا طفلتي، تعالي هنالك مأوى، لم يعد لك ملعب هنا، يمكنكِ أن تحتفظي بغلاف رصاصة قناص، أو شظية محناة.. تلفينها بمزقة ثوب لتصبح عروساً تؤنس وحدتكِ.

شدّ بلطف على يدها.. فأحسّت بالأمان.. واقتادها.. مشت طيّعة، عيناها معلقتان بالكمرة وهو يلوّح لها، وآلته تسجّل حركاتها والقدر يخبّئ لهما مفاجأة… لم يخطر بباله أنها ستكون إنجازاً آخر. وبعد خطوات قليلة، داست على قنبلة مما تساقط على الحيّ فانفجرت، وتمزّق الجسد الغضّ… ونُقِلَ المسعف إلى المشفى…

في الجريدة، بعض زملائه يغبطونه على اقتناص الفرص، وآخرون يحسدونه عليها، وهو ديك مزهّر ينفش ريشه..

وحده مسعفها – المبتور الرجل – امتزجت دمعة فرحة النجاة بمأساة براءة مغدورة.                                                

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني