جريمة متكررة على أطلال الصمت: الاحتلال الإسرائيلي يهدم منازل مدنيين في قرية الحميدية بريف القنيطرة

0

توغلٌ جديد وانتهاكٌ قديم:

في ظل تصاعد التوتر في مناطق الجنوب السوري، أقدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي، مساء الاثنين 16 حزيران/يونيو 2025، على تنفيذ عملية توغل عسكري مفاجئة داخل قرية الحميدية في ريف محافظة القنيطرة.

العملية، التي نُفذت دون سابق إنذار وبمرافقة آليات ثقيلة، أسفرت عن هدم ما لا يقل عن 15 منزلاً مدنياً، في مشهد يعكس استهتاراً فاضحاً بأبسط قواعد القانون الدولي الإنساني، ويمثل حلقة جديدة في سلسلة الانتهاكات التي تشهدها المنطقة منذ أعوام.

أولاً: تفاصيل التوغل والهدم – منازل سويت بالأرض بلا إنذار:

وفقاً لتوثيق الشبكة السورية لحقوق الإنسان، بدأت القوات الإسرائيلية توغلها في وقت متأخر من مساء الاثنين، واستمر التحرك العسكري حتى فجر الثلاثاء 17 حزيران/يونيو 2025. العملية ترافقت مع هدم مباشر وممنهج لـ 15 منزلاً مدنياً، بزعم قربها من قاعدة عسكرية إسرائيلية تم إنشاؤها حديثاً ضمن نطاق المنطقة المنزوعة السلاح، وتشير الإفادات الميدانية إلى أن بعض هذه المنازل كانت مأهولة حتى وقت قريب، قبل أن يتم تهجير سكانها قسرياً تحت الضغط الأمني والعسكري المرتبط بإنشاء النقطة العسكرية.

ثانياً: التوثيق البصري – الصور تُدين:

تمكن نشطاء محليون ومصادر مفتوحة من توثيق آثار الدمار الذي طال القرية، وقد أُرفقت صور التدمير الكامل للمنازل بتاريخ 17 حزيران/يونيو، وتُظهر حجم التخريب وشكله الانتقائي.

ثالثاً: السياق السياسي – جنوب سوريا تحت نيران فرض الوقائع:

تشهد مناطق الجنوب السوري تصاعداً في وتيرة التوغلات الإسرائيلية، التي تتزامن مع فراغ سياسي نسبي أعقب انهيار نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024.

 كما تخشى منظمات حقوقية من أن تكون هذه التحركات العسكرية المتكررة محاولة لفرض واقع أمني جديد على الأرض، عبر سياسات تهجير وتهديد ميداني مباشر.

 كما أن هذه العمليات تُضعف من قدرة السلطات الانتقالية على بسط سيطرتها وتقديم الخدمات الأساسية للسكان.

رابعاً: التحليل القانوني – انتهاك متكامل الأركان:

تشكل عملية التوغل والهدم انتهاكاً صارخاً لمنظومة القانون الدولي، ويتجلى ذلك في عدة نقاط جوهرية:

● خرق لسيادة الجمهورية العربية السورية، ومخالفة للمادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة التي تحظر استخدام القوة ضد وحدة أراضي الدول.

● انتهاك لاتفاق فض الاشتباك لعام 1974، الذي يمنع القوات الإسرائيلية من التواجد في المناطق المنزوعة السلاح.

● خرق للمادتين 49 و147 من اتفاقية جنيف الرابعة، حيث تم تنفيذ عمليات هدم لممتلكات مدنية دون ضرورة عسكرية حقيقية.

● احتمال ارتكاب تهجير قسري يُصنف كجريمة ضد الإنسانية بموجب المادة (7) من نظام روما الأساسي.

● انعدام مبررات الدفاع المشروع كما ورد في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، إذ لم يكن هناك أي تهديد فوري يبرر هذا الفعل.

● انتهاك مباشر للحق في السكن، والأمان الشخصي، وحرية التنقل بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادتان 9 و12).

خامساً: توصيات ضرورية – من أجل وقف التوسع العسكري غير المشروع:

تدعو الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى:

1. إدانة واضحة من مجلس الأمن والجمعية العامة لهذه الانتهاكات بوصفها أفعالاً عدوانية.

2. دعوة قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (UNDOF) لإجراء تحقيق فوري وميداني وتقديم تقرير لمجلس الأمن.

3. مطالبة إسرائيل بالالتزام الكامل باتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني.

4. توفير دعم فوري للمدنيين المتضررين، خاصة من فقدوا منازلهم أو تعرضوا للتهجير.

5. إحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في الانتهاكات الجسيمة التي قد ترقى إلى جرائم حرب أو ضد الإنسانية.

6. تعزيز الوجود الحقوقي والمدني في القنيطرة من خلال فرق مراقبة غير حكومية تقدم الدعم القانوني والنفسي.

لا استقرار بلا عدالة – صمت المجتمع الدولي يشرعن التهجير:

إنّ التوغل الإسرائيلي الأخير في قرية الحميدية وهدم منازل المدنيين ليس حادثاً عابراً، بل نمط ممنهج لانتهاك القانون الدولي، في منطقة تئن تحت أعباء الفوضى والفراغ الأمني.

إنّ صمت المجتمع الدولي وتقاعسه عن الردع والمحاسبة لا يبرر هذه الانتهاكات فحسب، بل يشجع تكرارها.

ومن هنا، فإنّ العدالة لا تبدأ بإصدار بيانات الشجب، بل بمواقف واضحة، وتحقيقات مستقلة، وإجراءات مساءلة حقيقية.

فلا استقرار حقيقي في الجنوب السوري دون احترام سيادة الأرض وكرامة الإنسان.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني