ثانوية حاكم الفندي في موحسن: العودة وسط الركام… تعليم يصارع الدمار والفجوة التعليمية

0

الأمل يعود إلى المدارس قبل المنازل:

بعد أكثر من عشر سنوات من النزوح والانقطاع عن الدراسة، عاد أهالي مدينة موحسن في محافظة دير الزور ليجدوا مدارسهم، كما بيوتهم، مدمّرة جزئياً أو كلياً. اللافت أن الحياة بدأت بالعودة من المدارس قبل المنازل، في تعبير واضح عن وعي جماعي بأن التعليم هو المدخل الأساسي للاستقرار وإعادة بناء المجتمع.

في هذا السياق، التقت نينار برس الأستاذ مداح خلف الدرويش، مدير ثانوية الشهيد حاكم الفندي، المدرسة الوحيدة التي تخدم المرحلتين الإعدادية والثانوية، والتي تستقبل اليوم جميع طلاب مدينة موحسن والقرى المجاورة لها. معظمهم عادوا إلى مقاعد الدراسة بعد سنوات من الانقطاع أو الدراسة خارج سوريا، خاصة في تركيا والشمال السوري، وسط بنية تحتية مدمّرة وفقد معرفي عميق نتيجة الحرب والنزوح.

«نستقبل الطالب فور قدومه إلى المدرسة دون أي تأخير، حرصاً على عدم ضياع حقه في التعليم، على أن تُستكمل الثبوتيات لاحقاً»، يؤكد الدرويش، مشيراً إلى أن هذا التدفق المستمر يعكس عودة الحياة تدريجياً إلى المدينة رغم صعوبة التحديات.

تدفق الطلاب بعد سنوات الانقطاع:

يبلغ عدد الطلاب نحو 350، موزعين كالآتي:

المرحلة الثانوية: 80–100 طالب، موزعين على الصفوف العاشر والحادي عشر والبكالوريا، كل صف بشعبة واحدة من 20–30 طالباً.

المرحلة الإعدادية: 200–250 طالب، موزعين على الصفوف السابع والثامن والتاسع، كل صف بشعبتين، وبعض الشعب تجاوزت 40 طالباً، خاصة في الصف الثامن.

«الطلاب يأتون من موحسن، ومن الشمال السوري، ومن داخل القطر، والفروق بينهم محدودة، لكن جميعهم يعانون من فاقد تعليمي كبير»، يوضح الدرويش.

«سنوات التهجير والانقطاع تركت أثراً عميقاً على التحصيل الدراسي، لكن بالإمكان سد هذه الثغرات بالدورات، والتعلم الفردي، والاجتهاد الشخصي، إضافة إلى ما تقدمه الثانوية».

وسط هذا الضغط، يبذل الكادر التعليمي جهوداً مضاعفة لضمان استمرار العملية التعليمية دون انقطاع.

المدرسة بين الركام والكادر التعليمي:

«نحو 60% من المبنى مدمّر، بينما 40% فقط صالح للاستخدام»، يوضح الدرويش.

«الجهة الغربية تضم تسع غرف صفية مجهزة وأربع إضافية مؤخراً، أما البناء الأمامي والجهة اليمنى غير صالحين للاستعمال، والغرف الإدارية نصفها مدمّر كلياً، لا جدران ولا نوافذ ولا أبواب، فقط السقف والقواعد موجودة».

رغم هذه الظروف، يغطي الكادر التعليمي أكثر من 80% من المواد الأساسية، مع اعتماد كبير على جهود المعلمين والإدارة لضمان استمرار العملية التعليمية.

التحديات التعليمية والفجوة المعرفية:

«المدرس يسير وفق المنهاج الرسمي، لكن أمامه طلاب يفتقدون للأساسيات، وهنا تكمن الصعوبة الحقيقية».

«الواقع يخلق فجوة داخل الصف نفسه، إذ يعاني الطلاب صعوبة فهم الدرس وضعف الاندماج مع المنهاج الحديث».

الفجوة التعليمية تشمل المواد الأساسية: العربية، الرياضيات، الإنجليزية، الفرنسية، ويزيد من صعوبتها غياب المكتبة والكتب وإمكانيات الطباعة. كما يشكل اختلاف لغة التدريس والنظام التعليمي تحدياً إضافياً للطلاب الذين قضوا سنوات خارج سوريا.

جهود خارج الدوام ودعم المجتمع:

استجابة لهذه التحديات، نظمت المدرسة دورات تعليمية خاصة بعد الدوام وأيام العطل لاسترجاع المعلومات ومنح الطلاب فرصة للحاق بزملائهم.

«إذا اجتهد الطلاب والتزموا، بإمكانهم استرجاع جزء كبير من المعلومات»، يؤكد الدرويش، داعياً الأهالي لمتابعة أبنائهم وتشجيعهم على الالتزام بالدورات.

«سد الفجوة التعليمية مسؤولية مشتركة بين المدرسة والأهل والإدارة».

كما يشيد بالدور الحيوي للمجتمع المحلي:

 «أبناء موحسن في الداخل والخارج رمموا المدارس وأعادوها للخدمة، وبفضل حملاتهم التطوعية أصبحت مدارس موحسن من الأفضل في المنطقة».

والدعم الرسمي مستمر أيضاً:

«مدير التربية في دير الزور قام بزيارات وتوجيهات ملموسة، ولم يقصر معنا».

سياسة المدرسة مستمرة على استيعاب الطالب فور وصوله، مع استكمال الأوراق لاحقاً، مع استمرار تدفق الطلاب.

نحو مستقبل تعليمي واعد:

رغم سنوات النزوح والدمار، تبقى ثانوية حاكم الفندي صرحاً تعليمياً صامداً.

«هناك طلاب لديهم قدرات حقيقية، ومع فريق تعليمي متكامل نعمل على بناء جيل قادر على مواجهة تحديات المستقبل واستعادة تميز المدرسة. ثانوية حاكم الفندي لها تاريخ عريق في تخريج مئات الكوادر المؤهلة، وسنستمر في بناء جيل جديد من الأطباء والمهندسين والمثقفين».

«مع فريق العمل من أبناء موحسن، نعمل كفريق واحد للنهوض بالطلاب، وإن شاء الله سنرى كوادر جديدة وقامات علمية تتخرج كما كانت دائماً».

التعليم خط الدفاع الأول بعد التحرير:

عودة الطلاب إلى مدارس موحسن تمثل معركة إرادة وبداية جيل جديد بعد سنوات الحرب والدمار، حيث صار الاستثمار في الإنسان والتعليم قضية وطنية عاجلة لا تحتمل التأجيل.

ثانوية حاكم الفندي، رغم بنيتها المدمرة والفجوة التعليمية العميقة، تثبت أن الإرادة تصنع المعجزات: الكادر التعليمي المخلص، شراكة الأهالي، ومبادرات أبناء المدينة حولت الركام إلى صفوف صامدة، ينهض فيها الطلاب حاملين الأمل والمعرفة رمزاً للصمود.

«ومع كل خطوة يخطوها الطالب إلى مقعده، يطرح السؤال الصريح: هل ستترجم الدولة هذه الإرادة والمثابرة إلى سياسات تعليمية عادلة، دعم مستدام للبنية التحتية، وفرص حقيقية لسد الفجوة التعليمية؟ الأمل حاضر، والإرادة موجودة، والجيل الجديد ينتظر خطوات الحكومة الجادة ليصنع مستقبل سوريا من هذه الصفوف التي تحمل الوطن بين يديها».

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني