بين إنزال العلم في عين العرب ورسائل التهدئة في دمشق: هل تثبت الوحدة السورية صلابتها؟

0 29

بعد أكثر من أسبوعين على حادثة 21 مارس 2026، لا تزال تداعيات إنزال العلم السوري في عين العرب (كوباني) تثير نقاشاً وطنياً حول متانة الوحدة في المرحلة الانتقالية. في ذلك اليوم، وخلال احتفالات عيد النوروز الذي أُقرّ عطلة وطنية رسمية بموجب المرسوم رقم 13 لعام 2026، أقدم شاب على إنزال العلم السوري عن سارية عامة والدوس عليه. وصفت قوى الأمن الداخلي والمجلس الوطني الكردي الفعل بأنه «تصرف فردي غير مسؤول»، وتم توقيف المتورط فوراً، ولا يزال التحقيق جارياً معه.

لم تقتصر الحادثة على نطاقها المحلي؛ إذ امتد التوتر إلى عفرين وريف حلب الشمالي، حيث سُجلت اعتداءات على محتفلين كرد وعلى رموزهم، إضافة إلى مظاهرات ووقفات احتجاجية في عدة مدن ومناطق. وفي الحسكة والقامشلي، شهدت مقرات أمنية حوادث اقتحام وإنزال للعلم السوري من قبل مجموعات مرتبطة ببعض الفاعلين غير المنخرطين في مسار الدمج بدرجات متفاوتة. ورغم استمرار بعض التوترات المحدودة، ساهمت إعادة رفع العلم في عدة مواقع وتدخل قوى الأمن والإدانات المتقاطعة في احتواء التصعيد نسبياً.

الجذور العميقة وأنواع التجاوزات

لا يمكن اختزال هذه الحوادث في خلافات رمزية عابرة؛ إنها تعكس تراكماً تاريخياً من التهميش والمركزية، وتغذيها مخاوف محلية من فقدان النفوذ الاقتصادي والأمني – خاصة حول حقول النفط والمعابر – إضافة إلى دور التحريض عبر وسائل التواصل في بيئة انتقالية هشة تتداخل فيها العوامل المحلية مع تداخلات إقليمية مؤثرة.

ومن الضروري هنا التمييز بين نوعين من التجاوزات:

1- الأخطاء الفردية: التي غالباً ما تكون عفوية ويمكن احتواؤها بالتوقيف والإدانة السريعة.

2- التجاوزات المنظمة: الصادرة عن هياكل، أو أجسام عسكرية، أو حزبية، أو شبابية، مثل ما حدث في بعض الاقتحامات من قبل مجموعات مرتبطة بـ«الشبيبة الثورية» (جوانا شور شكر) أو غيرها من الفصائل التي لا تزال تحتفظ بولاءات سابقة. هذا النوع الأخير أخطر، لأنه يعكس عدم انضباط مؤسسي وقد يُفسر كتحدٍّ مباشر لسيادة الدولة.

يضاف إلى ذلك دور المخيال الشعبي الذي يمنح بعض المتجاوزين شعوراً بأنهم «أبطال اسطوريين» سيخلدهم التاريخ. هذا التصور يُغذّي الاستقطاب، لأنه يختزل السياسة في الرمز ويتجاهل أن احترام الآخر وقبول التعايش معه هو الأساس الحقيقي لبناء وطن يتعايش فيه الجميع متساوين في الحقوق والواجبات.

نحو مقاربة متوازنة

هذا التمييز بين نوعي التجاوز يفرض بدوره مقاربة متمايزة. الأحداث تُبرز الحاجة إلى احترام الرموز الوطنية والثقافية المعترف بها قانوناً، مع تطوير تشريع يجرم الإساءة المتعمدة دون المساس بحرية التعبير السلمي. وفي هذا الإطار، يطرح رفع علم الدولة فوق المؤسسات العامة كتعبير أساسي عن السيادة، وسط جدل مشروع حول التوفيق بين وحدة الدولة واحترام خصوصيات المكونات في مرحلة انتقالية حساسة.

لقاء دمشق: رسالة تهدئة واضحة

في اليوم ذاته، استقبل الرئيس أحمد الشرع في قصر الشعب وفداً كردياً ضم نحو سبعين شخصية، بينهم محافظ الحسكة نور الدين أحمد. شكّل اللقاء – الذي تضمن مشاركة الوفد في إيقاد شعلة النوروز – رسالة تهدئة واضحة؛ أكد فيها أن حقوق المكون الكردي أصيلة وليست منحة، ودعا إلى الحوار والتشاركية، في وقت يستمر فيه تنفيذ اتفاق 29 يناير بوتيرة متفاوتة رغم الأحداث.

لم يكن التزامن بين الحدثين مصادفة زمنية بحتة؛ فأن إنزال العلم كان اختباراً فورياً يكشف هشاشة عملية الدمج، في حين جاء اللقاء في دمشق محاولة استباقية لإعادة ضبط المسار ومنع تحول التوتر إلى أزمة أعمق.

مسارات بناء السلام والعدالة الانتقالية

غير أن تجاوز هذه اللحظة يتطلب أكثر من الإدانات. يستدعي الأمر الاستثمار في برامج توعية مجتمعية مشتركة وآليات وساطة محلية. كما يتطلب تفعيل مسارات العدالة الانتقالية من خلال كشف الحقيقة، جبر الضرر، إصلاح المؤسسات، وضمان عدم التكرار – استناداً إلى الهيئة المشكلة بمرسوم 20 لعام 2025 – مع ربط هذه الجهود بملفات المعتقلين والنازحين ضمن إطار اتفاق 29 يناير.

إن إعادة بناء الثقة بالمؤسسات يتطلب تنفيذاً شفافاً ينعكس في أمن مشترك ومشاركة فعلية وتحسين الخدمات. فالتماسك المجتمعي يقوم على العدالة والمشاركة السياسية والثقة بالمؤسسات. صون الرموز الوطنية واحترام الخصوصيات الثقافية ليسا هدفين متعارضين، بل ركيزتان أساسيتان لبناء دولة يشعر فيها كل مكون بأنه شريك حقيقي.

في المحصلة، بعد هذا الاختبار الصعب، تظل الإجابة على سؤال صلابة الوحدة السورية مشروطة بالتنفيذ الجاد والشفاف. حين تُصان الرموز ضمن إطار قانوني عادل، وتُدار التعددية ضمن عقد وطني توافقي، تتحول الوحدة من شعار إلى ممارسة سياسية واجتماعية قادرة على حماية مستقبل سوريا المشترك.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني