بيادق الشيطان

0 16

ينتظرني في المطار، كلانا يتلهّف إلى اللقاء، لمحنا بعضنا… فتحت له ذراعي فأسرع نحوي، وتعانقنا… شممت فيه عطر الأيام التي عشناها…، سألته: موسى.. أين محمد؟ إني أفتقده… ردّ بدمعة تدحرجت… فهزتني… فهمت أنّه فارس ترّجل ولم ينحنِ، وقضى ضحية مبادئه…، وانطلقنا إلى منبتنا…

الأشجار تتسارع خلفاً ونحن نسير بسرعة فهاجت الذكريات، عقود مضت…، كنّا ثلاثة أطفال جمعتنا هواية مشتركة، الرياضة والقراءة، وزدنا معاكسة الرفاق منذ الصف الأول الابتدائي حتى دخلنا الجامعة فتفرّقنا بين المعهد الرياضي، وكلية الفنون، والاقتصاد السياسي، تشعّبت اتجاهاتنا، ووحّدتنا محبة الحريّة والإنسان…، لُوحقتُ… واُعتقلتُ مراراً… نلتُ التعذيب صنوفاً فزادني قوة وتصميماً، ولمّا أصبحت حياتي مهددة اضطررت إلى الهجرة في ليلة لا تُرى الأصبعُ فيها، وعندما تغيّرت الأحوال عدت لأفاجأ قبل الوصول بأحداث فاقت ما توقعت…

توقّفت السيارة على سفح تلة تشرف على السهل المنبسط. نزلت منها.. مشيت خطوتين.. القرية تحت مرمى النظر.. عهدتها عامرة، والآن أشاهدها خراباً يمتدّ على اتساعها… غدت بيوتاً أُحرقت.. وأشجاراً قُطعت…، ومنازل دُمرت.. كأنّها بيوت أطفال على شاطئ عبثوا بها قبل أن يغادروها عائدين…، بحثت عن دارنا وسط الركام المحترق.. عرفتها بصعوبة من بقايا تختلط بما جاورها.. من مئذنة اتكأت على الكنيسة وتوسّدتها فألغت الشارع الفاصل بينهما واتّحدتا…، مرّ شريط ذكريات عشتها بين حنايا جدرانها وأزقتها.. شعرت بحمّى نار تجتاحني، وبقلبي يتقبّض ويتوقف عن النبض، وبدمعة تحجّرت في مقلتيّ، وبغيمة كثيفة حجبت الرؤية.. غشيت عيناي، وتراخت رجلاي، وراح جسدي يتداعى وينهار فجلست على حجر وأسندت رأسي بيدي.. تمنّيت لو أني ما رجعت، ولم أرها، ولم تتبدل صورتها في خيالي…، وبصوت يرشح حزناً خرجت من بين شفتيه: قم يكفيك ما شفته، وما عانيته اليوم…، ليست الوحيدة، هناك عشرات غيرها سُوّيت بالأرض، ودُفن بعض سكانها تحت الأنقاض، أنت محظوظ، خرج والداك أحياءً من تلك المجزرة. تحاملت وهو يتناول يدي لأستوي واقفاً.. سألت: ماذا فعل أولئك الوحوش؟ إنهم ضباع ضارية فقدت معاني الإنسانية فولغت في الدماء بلا رحمة، وعبثت بما عمرته الأجيال بلا شفقة. أجابني: عقول برمجتها طواغيت حاقدة لا تتقبل المختلف؛ لكنّها عجزت أن تقطع ما بيننا من روابط…، وأن توقف حبّ الحياة، أو تقتلع الأمل من نفوسنا بالتغيير…، وبودّ قال وهو يبتسم: أما اشتقت لأبويك؟

– بلى، هيّا خذني إليهما… واتجهنا إلى المدينة…

تخيّلهما مازالا كما أعرفهما قبل سنوات حين ودعتهما مغادراً.. وما ظننت أنّهما يشيخان بسرعة هكذا.. ابيضّ رأساهما، وتقوّس ظهراهما.. وزيّنت التجاعيد وجهيهما.. ضممتهما والدموع تنهلّ على الوجنات. حمداً على سلامتكما.. بوّست جبينيهما.. شدّت أمّي بيديها على خدّيَّ.. قبّلتني وهمست لن أدعك تغادر… سأزوجك.. ضحكتُ.. ربّتتْ على صدري.. نريد أحفاداً نداعبهم…، ونعلّمهم كيف يعمّرون…، ويزرعون…

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني