بعد هزيمة إيران… من يرسم خرائط الشرق الأوسط الجديد

0 16
ما بعد هزيمة إيران: الشرق الأوسط يدخل زمن الخرائط الجديدة

في الشرق الأوسط، لا تنتهي الحروب عند توقف النار. بل تبدأ بعدها مرحلة أخطر: مرحلة إعادة توزيع القوة إذا انتهت الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران بهزيمتها أو اضعافها، فلن تدخل المنطقة عصر السلام بل عصر إعادة التشكيل لأن إيران لم تكن مجرد دولة في الإقليم، بل كانت طوال أكثر من 40 عاماً جزءاً أساسياً من ميزان القوة والاضطراب معاً.

منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 تمدد النفوذ الإيراني في أكثر من ساحة عربية. في العراق، عبر السياسة والسلاح. في لبنان عبر النفوذ العسكري والقرار الداخلي في اليمن عبر الحرب المفتوحة وفي سوريا قبل التحرير عبر الحضور العسكري والأمني.

إذا سقط هذا المشروع، فإن السؤال لن يكون فقط من ربح الحرب؟ بل من يملئ الفراغ؟ في الظاهر ستبدو إسرائيل أكبر الرابحين فهي ستقول إنها نجحت أخيراً في كسر أخطر خصم إقليمي مباشر أمّا الولايات المتحدة فستتعامل مع النتيجة على أنها فرصة لإعادة ضبط المنطقة ليس فقط أمنياً، بل سياسياً واقتصادياً أيضاً.

من وكيف سيملأ الفراغ كل مساحة تنسحب منها قوة تدخلها قوة أخرى وهنا تبدأ القصة حقيقية في لبنان سيعود سؤال الدولة والسلاح من جديد. في العراق، سيبدأ صراع أكثر هدوءً، لكنه أشد عمقاً، على القرار والسيادة أما سوريا فهي حالة مختلفة.

سوريا لم تعد ساحة نفوذ إيراني كما كانت قبل سنوات. فمنذ التحرير في نهاية 2024، تراجع الحضور الإيراني فيها إلى حدّ التلاشي، ما يعني أن دمشق دخلت فعلياً مرحلة ما بعد إيران. لكن هذا التحول، على أهميته، لا يعني أن سوريا تجاوزت الخطر. بل يطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً: هل تملك السلطة الانتقالية القدرة على عبور هذه المرحلة الحساسة، ومنع البلاد من الانزلاق إلى الفوضى فحادثة الاعتداء على سفارة الإمارات في دمشق، بما حملته من رسائل سلبية، أظهرت أن الانتقال السياسي لا يزال هشاً، وأن بناء الدولة لا يُقاس فقط بخروج نفوذ قديم، بل بقدرة السلطة الجديدة على فرض الأمن وحماية البعثات الدبلوماسية وتثبيت صورة سوريا كدولة قادرة على ضبط نفسها. وهنا تكمن الفرصة والخطر معاً الفرصة أن تتحول سوريا من ساحة حرب إلى ساحة بناء والخطر أن تتحول من جديد إلى ساحة تنافس، لكن بأسماء مختلفة.

وفي الخليج، قد تفتح هزيمة إيران باباً آخر لا يقل أهمية عن ملفات النفوذ والحرب، وهو ملف الجزر الإماراتية الثلاث التي تحتلها طهران منذ عام 1971 طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى. فهذه الجزر ليست مجرد رمز سيادي، بل نقطة شديدة الحساسية في معادلة الخليج لأنها تطل على واحد من أهم الشرايين البحرية في العالم وهو مضيق هرمز الذي يمر عبره ما يقارب 20% من تجارة النفط العالمية. وإذا دخلت إيران مرحلة انكفاء طويلة، فقد تجد الإمارات العربية المتحدة نفسها أمام فرصة تاريخية لإعادة طرح هذا الملف بقوة أكبر، سواء عبر القانون الدولي أو عبر الترتيبات السياسية الجديدة التي قد تفرضها مرحلة ما بعد الحرب.

اقتصادياً، ستكون الصورة أوضح فالمنطقة بعد الحرب لن تتحرك فقط بمنطق الجيوش، بل بمنطق الطاقة -الممرات – الموانئ – إعادة الإعمار – الأسواق هذا يعني أن المعركة المقبلة لن تكون فقط على الأرض، بل على من يموّل المرحلة التالية.

هنا ستظهر دول الخليج كلاعب رئيسي فهي تملك المال والقدرة على الحركة والفرصة لملء جزء من الفراغ. يكفي أن نعرف أن حجم الاقتصادات الخليجية الكبرى يتجاوز اليوم تريليونات الدولارات مجتمعة وأنها ستكون الطرف الأكثر قدرة على تحويل المال إلى نفوذ والاستثمار إلى حضور سياسي.

لكن الخطأ الأكبر هو الاعتقاد أن إيران ستختفي. فالدول الكبيرة لا تُمحى إيران دولة تضم أكثر من 90 مليون نسمة وتملك موقعاً جغرافياً مميزاً، وذاكرة سياسية عميقة. ولهذا فإن هزيمتها لن تعني نهايتها، بل بداية طور جديد منها قد تنكفئ إلى الداخل وقد تعيد بناء نفسها. وقد تتحول إلى قوة تنتظر لحظة العودة. لهذا فإن الشرق الأوسط بعد هزيمة إيران لن يكون شرق أوسط الاستقرار النهائي، بل شرق أوسط الخرائط الجديدة. ستتراجع فيه بعض شعارات لكن ستتصاعد فيه المصالح وسننتقل من صراع الرايات إلى صراع الممرات.

وهذه في الحقيقة ليست نهاية أزمة بل بداية شكل جديد منها.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني