
بعد سقوط الأسد وقسد.. سوريا نحو الاستقرار والازدهار
عندما بلغت الثورة السورية ذروتها وكانت تسير في خطى حثيثة للقضاء على النظام ولم تنجح خطط الإبقاء عليه عبر دعم مباشر من حزب الله والميليشيات الطائفية الأخرى التابعة لفيلق القدس، كان المشروع الإيراني في خطر حقيقي إذ تُشكّل سوريا الأسد قلب الهلال الشيعي ونقطة الارتكاز الاستراتيجية له، لم تُجدِ نفعاً خطط محور الشر في إطلاق سجناء من سجن صيدنايا في تشويه صورة الثورة السورية، إذ حتى عام 2014 لازال هناك دعم عربي ودولي لها وكانت القوى للعسكرية المعتدلة التي تحارب تحت مسمى الجيش الحر لا تزال تسيطر على المشهد العام، أما في العراق فلازالت المحافظات السنية العراقية عصيّة عن ترويضها لصالح حكومة بغداد برئاسة نوري المالكي وبدعم من فيلق سليماني، بمعنى لازالت الجغرافيا الرابطة مع سوريا غير مُسيطَر عليها، وبعد عشر سنوات من سقوط صدام بدأت طلائع ثورة سنية على التحالف الذي أرسته وباركته الولايات المتحدة بين الشيعة والكرد تتشكل ملامحها عبر بروز نهج وقيادات جديدة استوعبت ما حصل سابقاً وبدأت تُعِدّ العدّة للنهوض، كان على قاسم سليماني فعل شيء ما لإجهاض كل ما يحدث من غليان سني.
في عام 2014 كانت جهود الرئيس الأمريكي باراك أوباما مُنصبّة على الوصول لاتفاق نووي مع إيران مقابل أيّ ثمن.
حدثت عملية فك الأسوار وتم ترتيب عمليات هروب السجناء السنّة وانسحاب الجيش العراقي وترك أسلحته وترك أرصدة مالية ضخمة في بنوك الموصل وذلك لتأمين بنية تحتية ولوجستية للتنظيم وذلك لحرق مراحل زمنية.
لم يجد المسلحون الذين أُفرج عنهم صعوبةً في وجود بيئة حاضنة لهم من السنة، حيث إنّ كل الناقمين والغاضبين من الاضطهاد الشيعي للسنة في السنوات التي تلت سقوط صدام ووفّر أيضاً الدعم الأمريكي للشيعة منبعاً للغضب والمظلومية عند السنة فقد كان الانضمام إلى داعش هو الحل للانتقام.
كانت استراتيجية قاسم سليماني من صناعة وإظهار داعش كبيرة جداً وهي دعشنة السنة جميعاً بعد أن لم يعد صالحاً اتهامهم بالبعثية والصدامية وبالتالي السيطرة على مناطقهم وتشتيت شملهم عبر الادعاء بتحرير المنطقة من داعش، كما أن ّالتمدد الطبيعي لداعش سيكون إلى سوريا التي تشهد ثورة على أهمّ نظام موال لإيران وبالتالي ستظهر الثورة على الأسد داعشية وأنّ المجتمع الدولي مطلوب منه دعم الأسد وتعويمه لأنّ بديله كارثي، ومن المعروف عن قادة إيران نهجها التفاوضي مع واشنطن عبر ثنائية فوضى + تفاوض وهو ما يقوّي أوراق إيران ويجعل الولايات المتحدة تقدم تنازلات لإيران لضبط تلك الفوضى…
استعانت الولايات المتحدة في العراق بحشد شيعي طائفي كحليف أرضي فيما استعانت بحليف كردي في سوريا عبر التعاون مع تنظيم قومي مكروه من كل البيئة العربية والكردية، وأصبح الظلم والقهر والقتل منابع رئيسية لِمدّ داعش بالموارد البشرية والبيئة الحاضنة له.
يلاحظ أنّ الولايات المتحدة وتحالفها الدولي عندما تتقاطع بعض المصالح في الحرب على داعش ممكن لها التعاون مع أعدائها، حيث كانت ميليشيات الحرس الثوري الإيراني إرهابية بالنسبة لها، أيضاً حزب العمال الكردستاني كذلك مصنف إرهابياً على لوائحها ومع ذلك في سبيل القضاء على داعش تعاونت معهما..
انتهت داعش عملياً في آذار 2019 عبر السيطرة على آخر جيب جغرافي لها في الباغوز السورية وتحولت لخلايا متناثرة منهكة وخامدة وباتت الظروف مهيئة للقوات الامريكية للانسحاب من العراق وسوريا بعد تحقيق الأهداف المعلنة لها، وحاول الرئيس ترامب في ولايته الأولى ذلك لكن اعترض عليه البنتاغون بشدّة، حيث قيل له إنّ أيّ انسحاب أمريكي من سوريا سيترك فراغاً ستشغلة القوى المنافسة (روسيا وإيران) عبر تعويم حليفها الأسد وإعلان انتصارها الكامل في الحرب السورية.
تموضعت الولايات المتحدة عسكرياً في سوريا وأقرّت قانون قيصر ليس للحرب على داعش (وإن بقي ذلك حجة) بل لأهداف تتعلق بأن تكون فاعلاً هاماً في كتابة أسطر نهاية الملحمة السورية، فوجود خلايا نائمة لداعش ومراكز اعتقال لبعض من أفرادها ليست سبباً كافياً لإبقاء قوات أمريكية في سوريا ولا تحمّل تبعات دعمها لميليشيا انفصالية تبني دويلة تحت ذريعة الحرب على الإرهاب وإغضاب الحليف التركي وقطع حبال الود مع الثورة السورية بل والسنة في سوريا.
لم يكن للتمدد الشيعي أن يحصل في المنطقة لولا التخادم الأمريكي/الإسرائيلي معه بعد ضربات أيلول 2001.
ففي هذا البحر السني والذي يشكل جسم الأمة الإسلامية كانت الخطط الغربية بناء تحالف أقليات يمتد من طهران إلى بيروت يمكن أن يكون متهادناً ومتخادماً مع اليهود وعلى الأقل ليس متصارعاً معهم بل يتقاسم النفوذ معهم، لكن الرؤية الامريكية كانت رغائبية ولا تنمّ عن فهم كامل لمشروع ولاية الفقيه والذي لا يقبل التشارك بالسيطرة على المنطقة مع أحد ويربد طرد إسرائيل والنفوذ الغربي من المنطقة ليتسنّى له قيادة العالم الإسلامي كأقلية متغلبة على الامة السنية وكانت استعجال الملالي او حمقهم أدى لطوفان الأقصى الذي أسقط كل الأقنعة وقلب كل المفاهيم وادخل المنطقة في حقبة إستراتيجية مختلفة.
بدأ الغرب بحملته لإسقاط حلف الأقليات (بعد فشل أبسط أشكال التخادم معه وبروز اعتدال سني بديل له) عبر الحرب على حماس المتشيعة سياسياً والتي تدور في فلك ولاية الفقيه وتتخادم معه، ثم جرى تكسير عظام ورقبة حزب الله اللبناني درة تاج الحرس الثوري الإيراني، ولم يتوقف العمل على كسر أظافر ومخالب الزيدية في اليمن عبر اعادة تصنيف ميليشيات الحوثي كمنظمة إرهابية وكيل الضربات الساحقة لها ولمشروعها، واستغلت الثورة السورية (السنية) المرحلة واغتنمت رياحها التي هبّت فأسقطت الأسد العلوي ودولته الطائفية، وعندما تم كسر أذرع ولاية الفقيه كان الدخول لإيران نفسها واشعال الحرب داخل أراضيها إذ أصبحت مكشوفة تماماً وتساقطت أكياس الرمل التي تختبئ خلفها وتم ضربها بقوة وقسوة في حرب الأيام الـ 12.
وتم توجيه إنذار أمريكي اخير لحزب الله لتسليم ما تبقى من أسلحته أو إنه سيواجه الحرب وبنفس الإطار يتمّ إنذار الحشد الشيعي العراقي بذلك.
ولأنّ الـ (PKK) السوري هو من الميليشيا المحسوبة من الفواعل دون الدولة التابعة عمليا لمشروع ولاية الفقيه والتي تدور في فلكه ويتم استغلالها كورقة ضدّ تركيا حيث كانت تسعى لإنشاء حزام كردي قومي ماركسي على حساب أراضي العرب السنة في سوريا ليفصل تركيا عن عمقها العربي التاريخي (المحور السني العمودي) وذلك لتعزيز وحماية المحور الشيعي الأفقي في المنطقة..
وبعد اندحار روسيا وإيران في سوريا حيث أدى تحرير سوريا إلى هزيمة منكرة حلّت بهما لم تَعُد الولايات المتحدة ترى في انسحابها من سوريا يحمل أيّ مخاطر إستراتيجية يستغله أعداؤها وباتت موضة الميليشيات في سوريا والمنطقة عموماً من الماضي وأثبت السنة في تركيا وسوريا والأردن والخليج العربي أنهم يسيرون مع البوصلة الدولية التي تقودها أمريكا وأنهم يرون أنفسهم ويعرّفون أدوارهم ضمن هذا النظام الدولي والذي لم يخترعوه بل وجدوه قائماً وامراً واقعاً وعليهم عدم تحديه لأن مصير من تحداه ماثلاً أمامهم إذ أنهم يملكون علاقات جيدة مع أمريكا وأغلبهم يقيمون علاقات مع إسرائيل (أو سيقيمونها في القريب العاجل) وبالتالي يوجد عملياً توافق بين الدول السنية والنظام الدولي وهم بعيدون كل البعد عن المحور الشرقي.
لذلك أبلغ الأمريكان قسد بأنهم سيسحبون قواتهم من سوريا وأنّ لا دور جديد لهم في خدمة الأجندات الأمريكية وما عليهم الا الانصياع للحكومة السورية وتمّ إجبارهم على توقيع اتفاق 10 أيار مع القيادة السورية ويتم إبلاغهم أنّ المماطلة في تنفيذ بنود الاتفاق لن تُجدِ نفعاً وأنهم لن يتعاملوا مستقبلاً إلا مع الحكومة السورية الشرعية وبالتالي عليهم حلّ انفسهم سلماً أو سيواجهون الجيش السوري وستكون حرباً خاسرةً سلفاً بالنسبة لهم.