
الفلسفة والناس
جاء في محاورة هيبياس الأكبر لأفلاطون، على لسان سقراط:
«لكن قل لي يا هيبياس، ما السبب الممكن الذي يجعل أولئك القدماء المشهورين بحكمتهم، أو يجعل أغلبهم مثل طاليس الميلي ولاحقيهم ينعزلون بعيداً عن قضايا العامة؟»
فيجيب هيبياس: «أيُّ سببٍ تريده يا سقراط، إن لم يكن عجزهم وعدم امتلاكهم من الذكاء ما يؤهلهم للاشتغال في قضايا المدنية والقضايا العامة معاً؟»
وكثيرٌ من الناس من غير أهل الفلسفة يتساءلون في قرننا هذا: لماذا يعيش الفيلسوف في برجه العاجي؟
وفي رأيي أن سؤال أفلاطون على لسان سقراط لم يكن سؤالاً صحيحاً، لأن طاليس قد فكّر بما يفكر فيه الناس عن أصل الكون وفصله، بمعزل عن جوابه الساذج. كما أن جواب هيبياس لا يتطابق مع انشغال الفلاسفة القدماء بقضايا المدنية والناس.
ولكن سؤال سقراط عن عزلة الفيلسوف ما زال يردده كارهو الفلسفة، مع أن أهم فلاسفة العصر الحديث والمعاصر، على وجه الخصوص، إنما انشغلوا بالعالم المعيش، وما زال الفيلسوف الراهن غارقاً في مشكلات الناس.
أما وإن الفيلسوف يعيش في وسط الكينونة البشرية، فلا مناص له من مواجهة مشكلات الحياة وحاجاتها، مشكلات الناس كل الناس: فقيرهم وغنيهم، شيخهم وفتاهم وطفلهم، الخيّر والشرير، الخانع والمتمرد، الحزين والفرِح، والمشرّد واللاجئ، واليتيم والثكلى، والجوعان والبردان، والعاشق والعاطل عن العمل، والشاعر بالعبودية، والمقهور، والمشتاق، والمتشفي، والحاقد، والكاره، والمحب، والمجرم، والمؤثر، والضعيف، والقوي، والطامح، والقانع، والنبيل، والوضيع، والقاهر، والمقهور، والمتشائم، والمتفائل، واللامبالي، والمغترب، والكريم، والبخيل، والمناضل، والانتهازي، والجاهل، والعالم، والعنصري، والمتسامح، والمدّعي، والكاذب، والصادق.
كل هؤلاء هم المنابع الحقيقية لأسئلة الفلسفة الكبرى المتعلقة بالكينونة، وبفلسفة القيم والحياة والموت والمصير.
أجل، إنما نشأت الفلسفة من التفكير في مشكلات الحياة اليومية للناس، من التعينات التاريخية التي لا تنتهي للكينونة البشرية.
إن الفيلسوف هو المهموم الوحيد بكل تعينات الكينونة هذه، من دون أن يكلّفه أحد بذلك. ولأنه دائم الانشغال بهذه الكينونة وتعيناتها انطلاقاً من عقله الشخصي، فاضحاً وكاشفاً وفاهماً، فإن «العقل العام» النائم في سرير اليقينيات الوهمية سرعان ما يبني علاقة عدائية وعدوانية مع الفلسفة والفيلسوف، مع من يفكر فيهم، بواقعهم ومصيرهم.
وآية ذلك أن أكثرية البشر يتوافرون على أجوبة موروثة عن أسئلة لا تنطوي على إمكانية أجوبة واقعية، وحين تأتي الفلسفة لتزعزع أفكارهم المسبقة، فإنهم يواجهونها بتهمة التفكير خارج الواقع والحياة.
الفيلسوف ابن الحياة وعقلها. الفيلسوف ليس إمعياً، ولا عنعنياً، ولا تقميشياً، بل هو لائيّ الروح والعقل. إن «لاء» الفيلسوف لا تقصد المناكفة والسفسطة، بل هدفها الكشف عمّا وراء الظواهر المعيشة؛ تكشف عن الهم الوجودي والهمّ الزائف، والاغتراب والرضا، وما وراء الإنسان في كل تعيناته الواقعية.
فالوصف الظاهري للأشياء وللظواهر الإنسانية لا يقود إلى معرفتها، وإنما معرفتها لا تتم إلا بالكشف عن أسبابها العميقة، المتشابكة. ولهذا فإن سؤال الفيلسوف هو دائماً سؤال عن الواقع الحقيقي، سؤال ينطوي على إمكانية جواب كلي واقعي، حتى لو جاء الجواب خطأً؛ فالخطأ يقود إلى إعادة الامتحان، وهكذا دواليك.
وهل هناك سؤال أكثر أهمية من السؤال الراهن: ما الإنسان في حياته الراهنة، في هذا العصر؟ ما مصيره الذي يحدده هذا التطور العاصف في العلم؟ هو ذا سؤال الفيلسوف الذي يتحول إلى مشكلة، لأنه سؤال متعدد الأجوبة.