العدالة قبل البناء: نحو تطهير مؤسسات الدولة السورية من إرث الجريمة والاستبداد

0

من الخراب إلى الوعي الجديد:

من بين ركام الحرب والذاكرة المثخنة بالألم، تخرج سوريا من ليلٍ طويل محمّلة بأسئلة الوجود والمستقبل. فبعد سقوط النظام في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، ومع بدء تشكّل الحكومة الانتقالية، تتقدّم إلى الواجهة مجدداً أسئلة العدالة والكرامة:

كيف يمكن لوطنٍ جُرّب فيه الاستبداد عقوداً أن ينهض من دون تطهير مؤسساته من المجرمين؟

وكيف تُبنى الثقة على ذاكرة لم تندمل بعد؟

في هذا السياق، أصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان تقريرها التحليلي الجريء بعنوان: “الضرورة القانونية والأخلاقية لاستبعاد المجرمين من مؤسسات الدولة في المرحلة الانتقالية”،

وهو وثيقة تُعيد تعريف العدالة بوصفها مشروع إصلاح وطني شامل، لا شعاراً سياسياً عابراً.

الإصلاح المؤسسي: حجر الأساس في العدالة الانتقالية:

يشدّد التقرير على أن العدالة الانتقالية ليست محاكمات فحسب، بل عملية إعادة بناءٍ أخلاقية للدولة بعد أن تحوّلت مؤسساتها، طوال عقود، إلى أدوات بطش وتخويف.

“استبعاد المتورطين في الجرائم ليس قراراً سياسياً انتقائياً، بل ضرورة قانونية وأخلاقية تهدف إلى منع تكرار الجرائم واستعادة ثقة المواطنين بالدولة”،

يقول التقرير بلغة تُعيد الاعتبار إلى العدالة كشرط للمصالحة الوطنية، لا نقيضاً لها.

فمن دون إصلاح جذري في القضاء والأمن والجيش والإدارة، سيبقى الاستبداد كامناً تحت الرماد، ينتظر لحظة مناسبة ليتجدد بثياب جديدة.

العدالة لا تتعايش مع الجريمة داخل بيتٍ واحد، ولا يمكن لدولةٍ تُبنى على أيدي الجلادين أن تحترم الإنسان.

الإقصاء ليس انتقاماً… بل ضمان للمستقبل:

يقدّم التقرير تعريفاً جديداً لـ “التطهير الإداري”، مؤكدًا أنه إجراء إصلاحي لا عقابي، يستند إلى مبدأ “عدم التكرار” في القانون الدولي لحقوق الإنسان.

“الإبقاء على المجرمين في مؤسسات الدولة هو طعنة للضحايا وخطر على المستقبل، وليس تسامحاً وطنياً”،

يحذر التقرير، داعياً إلى وعي مجتمعي يرفض الخلط بين التسامح والنسيان.

هذا المسار لا يستهدف الأشخاص بقدر ما يستهدف استعادة أخلاق الدولة وكرامتها. فالدول التي واجهت ماضيها لم تفعل ذلك بالنسيان، بل بالاعتراف والمساءلة، لتتحول العدالة إلى فعل شفاء وطني.

تواطؤ بنيوي داخل مؤسسات النظام:

بلغة دقيقة وموثقة، يرصد التقرير عمق التواطؤ الذي مارسته مؤسسات الدولة السورية في ترسيخ القمع. القضاء الذي وُجد لحماية العدالة صار أداة شرعنة للظلم، والإعلام تحوّل إلى بوقٍ يمجّد القتلة ويُجرّم الضحايا.

“هذه الانتهاكات لم تكن قرارات فردية، بل ثمرة تواطؤ مؤسسي واسع شمل أجهزة الأمن والقضاء والإعلام والثقافة”، يؤكد التقرير، مشيراً إلى أن الاستبداد في سوريا كان نظاماً مركّباً من المصالح والخوف.

وتوثّق الشبكة أرقاماً موجعة:

أكثر من 202 ألف مدني قُتلوا، و160 ألف حالة اعتقال واختفاء، و45 ألف وفاة تحت التعذيب، و217 هجوماً كيميائياً، فضلًا عن تهجير أكثر من 13 مليون سوري.

هذه الأرقام لا تحكي الماضي فقط، بل تفضح عمق الجريمة في جسد الدولة.

من المساءلة إلى إعادة الثقة:

يقترح التقرير نموذجاً متدرجاً للتطهير الإداري بثلاث مستويات:

1. استبعاد دائم لكبار المتورطين في الجرائم الجسيمة.

2. استبعاد مشروط بإمكانية الاستئناف لمن دعموا النظام أو شرعنوا جرائمه.

3. مراجعة فردية دقيقة للموظفين غير المتورطين مباشرة.

بهذا التدرج، يوازن التقرير بين العدالة والواقعية، وبين ضرورة تطهير مؤسسات الدولة وبين الحفاظ على الكفاءات المؤهلة، لبناء دولةٍ “في خدمة المواطن، لا في خدمته كأداة للولاء”.

القانون كأداة للشفاء لا للثأر:

تستند رؤية الشبكة إلى سوابق قضائية دولية أقرت بشرعية التطهير الإداري كجزء من العدالة الانتقالية، بشرط الشفافية وضمان الحق في الدفاع.

“لا يمكن للمصالحة أن تُبنى فوق الجريمة، ولا للمستقبل أن يُكتب بأيدي من كتبوا فصول القمع”،

يقول التقرير، في خلاصة تحمل بُعداً أخلاقياً وإنسانياً عميقاً.

نحو عقد اجتماعي جديد:

يدعو التقرير إلى إشراك المجتمع المدني ومجموعات الضحايا في صياغة قانون التطهير المؤسسي، وفتح استشارة وطنية عامة تضمن المشاركة الشعبية في إعادة بناء الدولة.

كما يشدّد على أهمية حملة توعية وطنية تُوضح أن العدالة ليست تصفية، بل ضمانة لبناء وطنٍ يتسع للجميع على أساس الحق لا الخوف.

العدالة شرط الحياة:

“الإبقاء على الجلادين في مواقع السلطة لا يشكّل خطراً على الضحايا فحسب، بل تهديداً لمستقبل سوريا بأكملها.”

بهذه الجملة الحاسمة، تختم الشبكة السورية لحقوق الإنسان تقريرها.

فالعدالة في سوريا ليست ترفاً سياسياً، بل ضرورة وجودية.

سوريا الجديدة لن تُبنى على ذاكرة مثقوبة بالدم، بل على الوعي بالكرامة.

إن تطهير مؤسسات الدولة من إرث الجريمة هو الخطوة الأولى في طريق سلامٍ لا يقوم على الخوف، بل على الحق، ولا على القهر، بل على الإنسان.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني