
العدالة بالميزان.. بين خطٍ أحمر وحقوق بلا لون
“التجار خط أحمر”: قراءة نقدية في شعارٍ يهدد أسس العدالة وسيادة القانون في سوريا
شهدت العاصمة دمشق مؤخراً تظاهرة أمام غرفة التجارة رُفع فيها شعار “التجار خط أحمر”، في مشهد صادم يعيد إلى الأذهان عقلية الإقصاء والاستعلاء التي لطالما وقفت حجر عثرة أمام تحقيق العدالة وبناء دولة المواطنة في سوريا. فهذا الشعار لم يكن مجرد تعبير عفوي، بل يعكس ذهنية ترى في فئة بعينها – هي البرجوازية التجارية – كياناً فوق القانون وفوق باقي المواطنين، مستندة بذلك إلى إرثٍ تاريخي من التحالفات الضمنية مع السلطة، لا إلى مرتكزات العدالة أو مبادئ المساواة.
جذور التحالف: قراءة في البنية السياسية الاقتصادية للسلطة
لم يأتِ هذا الشعار من فراغ، بل هو امتداد لتحالف قديم وغير معلن بين النخبة الحاكمة وطبقة من كبار التجار. فعلى مدار العقود الماضية، وبخاصة خلال سنوات الحرب، لم يسمع السوريون من هذه الفئة نداءً يعلن أن “الشعب خط أحمر”، بل غابت أصواتهم حين سقطت المدن، وقُتل الأبرياء، وهُجّر الملايين. لم تُسجَّل مواقف مشرفة تدين الجرائم أو تنحاز إلى المظلومين، بل ظلّت معظم رموز هذه الطبقة التجارية في موقع الصمت المريب أو الدعم المباشر للسلطة مالياً وإعلامياً، بل وتسليحياً في بعض الحالات.
وقد أشار الباحث باتريك سيل في كتابه “الأسد: الصراع على الشرق الأوسط” (1988) إلى أن “الأسد بنى سلطته على تحالف غير معلن بين الأقلية العسكرية الحاكمة والبرجوازية السنية الدمشقية”. وبعد أربعة عقود، جاء تأكيد الباحث الاقتصادي جوزيف ظاهر في كتابه “سوريا بعد الانتفاضات 2019” أن “البرجوازية الدمشقية اختارت البقاء في حضن النظام حفاظاً على مصالحها، لا عن قناعة بمشروعيته”. هذا التحالف البنيوي يعيد إنتاج نفسه اليوم عبر شعارات استعلائية تنصّب فئة على أنها فوق باقي أبناء الوطن، وتلغي ما سواها من الحقوق والأصوات.
غرفة التجارة والتواطؤ مع تشويه العدالة
من المفارقة أن الذين ينادون اليوم بصون حقوقهم الاقتصادية، لم يظهروا صوتاً حين حُرم آلاف المالكين من حقهم في الملكية بفعل قانون التمديد الحكمي الجائر، الذي حوّل عقود الإيجار إلى اعتداء مشروع على حقوق الملاك، وأتاح للمستأجر أن يحتكر العقار لعقود أو إلى الأبد دون وجه حق، أو بأجر زهيد، مع إعادة تأجيره بأسعار خيالية من خلال العقود الباطنية.
فهل دافعت غرفة التجارة عن هذه الشريحة المظلومة؟ وهل خرجت ذات يوم لتطالب بحقوق المالكين الذين سُلبت أملاكهم باسم القانون؟ أم أنها اكتفت بالسكوت حين خُرق الدستور، وغُيّبت العدالة، واستُبيحت الملكيات الخاصة تحت ذريعة “الاستقرار الاجتماعي”؟
الإعلام وشركاء التحيز: حين تُقصى الحقيقة من المشهد
وفي هذا السياق، لابد من التوقف عند الدور السلبي لعدد من المنصات الإعلامية والصحفيين الذين سارعوا إلى تغطية التظاهرة المذكورة وتبنّي سردية التجار، دون أن يُكلّفوا أنفسهم عناء التواصل مع الطرف الآخر، المالكين المظلومين، أو حتى الإشارة إلى روايتهم. إن هذا الانحياز الإعلامي المعيب لا يعبّر فقط عن تقصير مهني، بل عن تشويه متعمّد للحقيقة، وإسهام مباشر في إضعاف سيادة القانون عبر تضخيم صوت فئة على حساب باقي المجتمع.
إن الإعلام الذي لا يُنصف، ولا يطرح وجهات النظر المختلفة، يتحوّل إلى أداة في يد أصحاب المصالح، بدلا من أن يكون صوتا للعدالة، ووسيطا للنقاش المجتمعي العادل.
نحو استعادة سيادة القانون وكرامة المواطن
بناءً على ما تقدم، فإننا نوجه نداءً واضحاً وصريحاً إلى:
– رئاسة الجمهورية
– وزارة العدل
– اللجنة القضائية المكلفة بإصلاح قانون الإيجار
أولاً: ضمان الحيادية والشفافية
نطالب بضمان حيادية اللجنة القضائية وعدم تأثرها بالضغوط القادمة من فئات مستفيدة من قانون التمديد الحكمي، مثل غرف التجارة وبعض النقابات المهنية. إن تضارب المصالح القائم يستوجب الحذر، وتشكيل لجنة مستقلة بحقوق جميع الأطراف، بعيداً عن الهيمنة الاقتصادية أو السياسية.
ثانياً: رفض منطق التهديد والاستقواء
ما عبّر عنه بعض التجار من خلال شعارات مثل “خط أحمر” لا يختلف في جوهره عن الشعارات التي رفعها النظام السابق لفرض منطق الاستبداد، من قبيل “الأسد أو نحرق البلد”. إن منطق التهديد، والتلويح بالتصعيد، يُعد نسفاً للدستور، واستهتاراً بحقوق الآخرين، ويجب التصدي له بكل صرامة قانونية وأخلاقية.
ثالثاً: محاسبة المحرضين على الفتنة والتمييز
رفع شعارات تمييزية تمسّ الوحدة الوطنية وتُقصي شريحة واسعة من المواطنين يجب أن يُقابل بمحاسبة قانونية. فالدولة التي لا تردع مثل هذه الممارسات، إنما تساهم في ضرب شرعية مؤسساتها، وتفتح الباب أمام الانقسام الاجتماعي والاقتصادي.
خاتمة: العدالة لا تُبنى على الشعارات
إن الدولة التي تُكرّس الامتيازات، وتُخضع القانون لسطوة أصحاب المصالح، لن تكون قادرة على تحقيق السلم الأهلي، ولا على بناء تنمية مستدامة أو عقد اجتماعي عادل. التاجر ليس خطاً أحمر، ولا المالك خطاً أخضر. الجميع، دون استثناء، يجب أن يُخضعوا للدستور ولسيادة القانون، فالدولة العادلة لا تُقيم وزناً للأصوات المرتفعة بقدر ما تُنصت لصرخات المظلومين.
“العدل أساس الملك، والملكية حق لا يسقط بشعار ولا بالتقادم، ولا يُختزل بقانون استثنائي، والكرامة لا تُنال بالتظاهر، بل تُستعاد بإصلاح المنظومة القانونية وإنصاف من ظُلموا لعقود.”
وإنّ المظلومين والمقهورين بفعل تلك القوانين الجائرة، التي كرّست الظلم لعقود، يعلّقون آمالهم اليوم على الدولة السورية الجديدة، أن تُعيد الحقوق إلى أهلها، وتردّ الظلم عن كاهل المستضعفين، وتقيم ميزان العدل على أسس الدستور والمواطنة المتساوية. وهذا جزءٌ لا يتجزأ من مسار العدالة الانتقالية وجبر الضرر، الذي يشكّل حجر الأساس في أي عملية تحول ديمقراطي حقيقي، ويمنح الدولة شرعيتها من خلال إنصاف من أُهدر حقهم في ظل منظومات الاستبداد والاستثناء.