العائدون

0

“هل كان علينا أن نقطع كل هذا المدى لنعود.؟

يا إله الثموات!”

تقول ندى بلثغها لحرف السين، ورغم أني أحب لثغها أصحح لها مقلدا نبرة صوتها:

“يا إله السموات”

ترميني بشرر نظراتها أضحك، وتدور ندى حول نفسها.

فتهتز السيارة التي تقل ندى وأهلها مع أهلي، وأنا أهتز مع الجميع، ثم أطير محلقاً من فرط السعادة.

ندى رفيقة طفولتي منذ مجيئنا إلى هنا، وهي الآن شريكتي في الأسرار.

كان باب خيمتها مقابل لباب خيمتي، لا أكاد أسمع جلبتها حين تخرج كارجة، تئن أصوات الحصى تحت قدميها حتى أثب أنا الآخر من مكاني، وأخرج متعثراً مثل كل مرة وألعن الحصى الذي فرشوا به المساحات الواصلة بين الخيام ليخفف من فيضان مياه الأمطار التي تغمر المخيم كل شتاء.

وحين أشعر بخروجها قبل شروق الشمس، أهبّ مسرعاً، أنضم إليها ونركض بسرعة وخفة ولا نتوقف حتى نصل أسفل التلة وراء الخيام، نشبك أيدينا وننتظر تلك اللحظة بخشوع من يصلي.

الشعاع الذي يبدأ بغمر التلال البعيدة قبيل سطوعه يتقدم باتجاهنا، يصل إلينا رقيقاً يحملنا مثل عهده قبل سنوات ونحن نكاد نذوب في غمرته الندية ، أقول لندى دائماً إنه يتعثر بنا، يمكنني الآن أن أمنع ذلك الشعاع من التعثر، لكنني بدلاً من ذلك أهمس لها:

– “إنه يشبهك!”

فتضحك وتقول:

– “كيف يشبهني؟!”

– “مثلك…. يلثغ بحرف السين”

تعبس ندى وتقول بصوتٍ غاصٍّ في حلقها:

أنا لا ألثغ، ذلك الحرف بغيض”

أخفف عنها همّها فأقول لها:

– “انظري إلى ذلك الشعاع هاهو ينساب عند مروره بالسهل انتظري حتى يقترب، وراقبي ما سأفعل.

ولكي أزيد متعتها وأستمتع بإبهارها، أمرر لها شعاعاً رقيقاً من يدي، وأقرّب صوتي من أذنها وأهمس:

– حين يعبر من فوقك الفظي اسمي”

أرسم الشعاع كقوس فوقها فتهمس:

– “مثعود”

أرفع الشعاع، أخفضه وأقول لها:

– أرأيت لقد تعثر بك فلثغ باسمي.”

ضحكت ملء قلبها وأنا صرت كتلة من نور تحلق حولها.

وكعادتها في مثل ذلك الموقف راحت تضربني بأطراف أصابعها المنفرجة قليلاً فيمرّ من بينها ضوء خجول.

عادت ندى تركض إلى المخيم. وأنا أتبعها. كانت دوماً أسرع مني.

اصطدمت بها واقفة تنظر بذهول إلى الخيام التي أخذت تتهاوى وأهلنا وجيراننا يلهثون وهم يطوونها ويجمعون أغراضهم ويحمّلونها فوق عربات الشحن.

– “لقد حان وقت العودة للوطن.”

يقول جدي بصوت مخنوق بالبكاء.

شهقة طويلة علقت في عيني ندى ووقفت بلا حراك.

وأنا وراءها أنظر إلى ما يحدث. أحار ماذا أفعل، أراقب نايا أخت ندى وهي تسرع للملمة أغراضها ووضعها في كيس بلاستيكي فارغ من أكياس طحين الإغاثة.

تحاول أختي ربا تقليدها لكنها لا تملك الكثير من الأغراض لا ألعاب ولا كتب ولا دمى قماشية.

 قطتي سالي تحوم بين قدمي ربا ونايا. وتقف مقابل ندى تنظر إليّ وفي عينيها فرح غامض، ربما تراني هي أيضاً. وجدتُ قطتي سالي في الشتاء الماضي، كانت تدور حول بركة الطين أمام خيمتي، وهي تموء جائعة، حملتها ولففتها في كنزتي أطعمتها حصتي من طعام الفطور، ووعدتها أن تكون رفيقتي، لا أدري حينها كيف خطر لي أن أعدها أنني سأعود بها إلى بيتنا في الوطن. بيتنا الذي أعرفه جيداً رغم أننا خرجنا قبل تسع سنوات وشهرين وثلاثة أيام. كما تقول رزنامة جدي وكان عمري حينها يقل بشهر واحد عن سبع سنوات.

اكتمل تحميل السيارات وأخذت تنطلق في رتل طويل سريع. السيارة التي تقل أهلي وأهل ندى تنوء مثقلة بحملها، تبادل أختي ربا ندى نظرات الغبطة، تسترق ندى النظرات إليّ وتبتسم بخفر، كأنها تقول عبارتها مرة أخرى في أذني: هل كان علينا أن نقطع كل هذا لنعود.

أغمرها بنفحة من ضوء فتبدو مثل سنبلة مشرقة.

سالي تتكوم في حضنها، عيناها تبرقان وإلى جانبها ترقد حمامتان بيضاوان كنت قد حصلتُ عليهما منذ عامين مكافأة على حمل أغراض فهد ابن عم ندى. وامتنانا منه على ضرب ناجي وأنور أخوي ندى اللذين يضايقانه دائماً.

فهد هو ابن عم ندى، وأبوه كبير المخيم

يعود إليه الجميع في كل كبيرة وصغيرة فهو المسؤول عن التواصل مع الجهات الراعية. كان فهد ضئيل الحجم لا يقوى على الرد على من يضربه فأتولى أنا ذلك. كما أتولى كتابة وظائفه التي يكلفها به المعلم الذي أحضره أبو فهد ليقوم بتعليمنا.

وتذكرت فجأة أنه كان عليّ أيضاً أن أتلقى عن فهد ضربة السكين تلك.

لن أفكر بالأمر كثيراً؟!

كل ما يشغلني الآن هو أن نصل إلى بيتنا.

أشعر بموجة حبور لمجرد التفكير بالأمر فأهتف بفرح:

– سالي، حمامتيّ، ندى….

يا أغلى ما لديّ…

سنعود اليوم إلى بيتنا!

عندما وصلنا إلى طريق محاذ للشاطئ كانت مراكب كبيرة تحمل اللاجئين القادمين عبر البحر، المشهد يبدو مثل كرنفال مبهر زاخر بالألوان، يرافقه بخار برّاق يتصاعد في الأفق.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني