السوريون في ألمانيا: أطفال لا يعرفون وطنهم إلا من الحكايات

0

أطفال بين وطن الحكايات وواقع الغربة:

بعد أكثر من عقد على هجرتهم القسرية إلى ألمانيا بسبب الحرب وإجرام نظام الأسد، يعيش الأطفال السوريون اليوم بين عالمين متوازيين: وطن لم يعرفوه إلا من الصور والحكايات العائلية، وواقع أوروبي وفّر لهم التعليم والاستقرار والأمان النفسي.

ومع تحرير سوريا في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، عاد ملف التفكير بالعودة إلى الوطن بقوة إلى داخل البيوت السورية في المهجر. غير أن هذا التفكير لم يعد خياراً عاطفياً تحكمه الذاكرة وحدها، بل بات مسألة مصيرية ترتبط بشكل مباشر بمستقبل الأطفال التعليمي والنفسي والاجتماعي، وبقدرة العائلات على تأمين بيئة مستقرة تحمي أبناءها من خسائر جديدة.

في هذا السياق، أجرت نينار برس تحقيقاً استطلعت فيه آراء خمس عائلات سورية مقيمة في ألمانيا، لرصد تجربة الأطفال في الغربة، وعلاقتهم باللغة العربية والهوية، والتحديات النفسية والثقافية التي تواجههم، وتأثير كل ذلك على قرارات العودة أو البقاء.

سوريا في الذاكرة: الحكايات تصنع الانتماء:

يقول أحمد حسين إسماعيل، مدرس ونائب رئيس رابطة المعلمين السوريين في ألمانيا، إن الأطفال السوريين ينشؤون على صورة مزدوجة للوطن:

“أطفالنا يعيشون بين مكان يؤمّن لهم التعليم والاستقرار النفسي، ووطن يتعرّفون إليه من خلال الذاكرة والحكايات العائلية. قرار البقاء أو العودة لا يُقاس بالحنين وحده، بل بمدى توفر بيئة آمنة وتعليم مستقر وصحة نفسية متوازنة.”

ويضيف أن معرفة الأطفال بسوريا تأتي غالباً من الأخبار التي يتابعها الأهل، ومن القصص اليومية داخل البيت، مشيراً إلى أن الزيارات القصيرة – إن وُجدت – لا تحسم القرار، لأن المعيار الأساس يبقى مصلحة الطفل وقدرته على الاستمرار دون صدمات تعليمية أو نفسية.

الأطفال الصغار في مواجهة الغربة:

من برلين، يوضح أكرم حمادي المحمد، أب لثلاثة أطفال دون المرحلة الابتدائية، أن صغار السن يتعاملون مع الوطن بوصفه فكرة أكثر منه مكاناً:

“أطفالنا يعرفون سوريا من خلال التواصل مع الأقارب هناك، ومن الصور والقصص. من حيث القدرة، يمكنهم الدراسة في سوريا إذا تحسنت الظروف، لكن العودة اليوم ما تزال صعبة بسبب التحديات الأمنية والسكنية وفرص التعليم والعمل.”

ويشير أكرم إلى أن أطفاله يستخدمون العربية داخل المنزل، مقابل الألمانية في الروضة والمدرسة، لافتاً إلى أن الروتين اليومي وشبكة الأصدقاء في ألمانيا يمنحان الأطفال شعوراً بالأمان والاستقرار، وهو عامل يصعب التفريط به بسهولة.

الأطفال في المراحل الدراسية المتقدمة:

تسلّط دارين محمود العبد الله، أم لخمسة أطفال في مراحل دراسية متقدمة، الضوء على التحديات التي تواجه الأبناء الأكبر سناً:

“أطفالي يعرفون سوريا من حديثنا اليومي في البيت، ومن ذكرياتنا وصورنا. حتى أصغرهم، الذي لم يرَ سوريا قط، يمتلك تصوراً واضحاً عنها بفضل الحكايات العائلية.”

وتضيف:

“نحن نتحدث العربية في المنزل، لكن الأطفال يتحولون تلقائياً إلى الألمانية فيما بينهم. متابعة الدراسة باللغة العربية صعبة جداً في المراحل المتقدمة، مثل الصفوف الثانوية، وأي قرار بالعودة قد يعني خسارة سنوات تعليمية وإعادة البدء من الصفر.”

وترى دارين أن هذه المعادلة تجعل قرار العودة أكثر تعقيداً مع تقدم عمر الأطفال وازدياد ارتباطهم بالنظام التعليمي الألماني.

الأطفال المولودون في ألمانيا: اندماج كامل وارتباط هش:

أما عمرو العبد، أب لطفلين وُلدا في ألمانيا ولم يزورا سوريا قط، فيصف علاقة أبنائه بالوطن بأنها وجدانية أكثر منها واقعية:

“معرفة أطفالي بسوريا تأتي من الحكايات فقط. هم مندمجون بشكل كبير في المجتمع الألماني، والمدرسة جزء أساسي من عالمهم اليومي.”

ويضيف أن العودة بالنسبة له مرتبطة بمستقبل الأطفال الاجتماعي واللغوي، موضحاً أن التحديات المعيشية والخدمات الصحية والتعليمية في سوريا تجعل القرار بالغ الصعوبة، رغم أن البقاء في ألمانيا – برأيه – يثير في المقابل مخاوف دينية وثقافية وسياسية لدى الأسرة.

التوازن بين الهوية والاستقرار:

يشدد غازي خميس حسين، مدرس لغة عربية وأب لخمسة أطفال، على أن العائلات السورية تعيش حالة مفاضلة دائمة بين الاستقرار المعيشي والحفاظ على الهوية:

“أبناؤنا يعرفون سوريا من الأسرة ووسائل الإعلام، لكن خبرتهم المباشرة محدودة. العودة إلى بيئة غير مستقرة قد تترك آثاراً سلبية على التعليم والأمان النفسي، بينما البقاء يوفّر الاستقرار، لكنه يثير قلقاً مستمراً على الهوية الثقافية والدينية.”

ويرى غازي أن الأسرة تتحمّل عبئاً مضاعفاً في الغربة، يتمثل في حماية الأطفال من الذوبان الثقافي دون تحميلهم صراعاً نفسياً يفوق أعمارهم.

وتتفق دارين مع هذا الطرح، مشيرة إلى أن العائلة تحاول تعويض غياب الوطن عبر خلق أجوائه داخل البيت، من خلال الحكايات والطقوس اليومية واللغة.

المخاوف الكبرى: معادلة بلا إجابة سهلة:

تتقاطع مخاوف العائلات السورية في ألمانيا عند نقطتين أساسيتين:

في حال العودة إلى سوريا:

الخوف من فقدان سنوات تعليمية، صدمة الاندماج في نظام لغوي وتعليمي مختلف، تراجع الأمان النفسي، خسارة شبكة الأصدقاء والدعم، إضافة إلى المخاوف الأمنية والصحية.

في حال البقاء في ألمانيا:

القلق من ضعف اللغة العربية، تراجع الارتباط الثقافي والديني، ازدواجية الانتماء، وصعوبة نقل القيم والعادات للأجيال القادمة.

يقول أكرم:

“نحب سوريا ونتمنى العودة، لكن الواقع يجعل القرار شديد الصعوبة.”

وتضيف دارين:

“العوائق الحالية أكبر من قدرتنا على تجاوزها، خاصة عندما يكون مستقبل الأطفال على المحك.”

بينما يختتم أحمد حسين بالقول:

“الانتماء لسوريا ثابت في القلوب، لكن الأولوية تبقى لتأمين حياة مستقرة وتعليم جيد للأطفال.”

الوطن حاضر… والمسؤولية مشتركة:

نشأ جيل الأطفال السوريين في ألمانيا بعيداً عن وطنه، لكنه لم ينفصل عنه وجدانياً. الغربة منحت هؤلاء الأطفال الأمان والتعليم، لكنها فرضت تحديات حقيقية في الحفاظ على اللغة والهوية والانتماء.

تجارب العائلات تؤكد أن قرار العودة أو البقاء يحتاج إلى موازنة دقيقة بين التعليم، الأمان النفسي، والهوية الثقافية، بعيداً عن الاندفاع أو الحنين وحده.

ويبقى الوطن حاضراً في قلوب الأطفال، بانتظار دور فعّال ومسؤول من الدولة السورية الجديدة في توفير بيئة آمنة ومستقرة، تُمكّن أبناءها من العودة بكرامة، وتحافظ على هويتهم، وتمنحهم مستقبلاً يستحقونه. فالوطن لا يُختزل في الذاكرة، بل يُبنى برعاية أجياله وحماية حقهم في الأمان والانتماء معاً.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني