الذات المُسْتعَمرة

0

تواجه الذات شروط استعمارها بسبب العيش المشترك الطويل والثقافة السائدة.

تكون الذات مستعمَرة حين تحتل وعيها، وبالتالي سلوكها كل السُلط التي لا تشعر بها، وتتحول إلى حارسٍ أمين لها.

الذات – والحالة هذه – لا تفكر بذاتها، ولا تعي استعمارها، ولا تعرف آلية هذا الاستعمار.

الذات التي لا تفكر لماذا هي على هذا النحو هي بناء مكتمل ولا يحس بحاجة إلى الترميم.

لست في معرض قول ما قيل حول الأصل الطبقي، حول الانتماء الديني، حول العادات والقيم السائد، حول اللغة القومية، وكل ذلك حالات استعمار متفاوتة الشدة والحضور، وكل هذه المسائل مهمة لفهم الذات وسلوكها، أقف عند وعيها بالعالم والمتشكل مما سبق ذكره.

الذات خزان وعي: الوعي هنا مأخوذ من حيث هو نظرة إلى العالم، إخفاء مصالح خلف قيم أثيرة، إيمان ما.

الذات، بوصفها خزان وعي، إما أن يمتلئ هذا الخزان مرة واحدة حتى نهاية العمر، دون أن ترشح منه أية قطرة، وتقفل إقفالاً محكماً.

أو أنه خزان دائم التصريف ودائم الاستقبال والتجدد. إنه – والحال هذه – مليء، ولكن ليس لمرة واحدة، مليء، تصب فيه عدة روافد ويصرف دون توقف.

كلما اتسع وجود الذوات الغافلة قلت الروافد أو انعدمت. وبالعكس كلما زاد عدد الذوات المنفتحة ازداد عدد الروافد.

الرافد هنا ليس شيئاً خارجياً بالضرورة، ذلك أن التفكير الدائم هو رافد لا ينضب عند الذات المنفتحة، فيما رافد الذات الغافلة محدود كما أن سعة الخزان محدودة بدورها.

الذات المستعمرة ذات الخزان، الضيق والرافد الشحيح تتعامل مع العالم “الحياة والناس والحاضر والمصير” وفق رؤية جامدة وعدسات ذات لون واحد فقط.

وبالتالي فإن عدة تفكيرها جاهزة دوماً دون أي إثراء أو تغير. فالوعي المؤسس للسلوك وعي نقي جداً غير ملوث وثابت. بل ولديه مناعة قوية ضد التلوث.

ولا يحسبن القارئ أن الذات المستعمَرة ذات الوعي النقي غير الملوث والثابت والفقير والمغلق نمط واحد وحيد، بل هناك أنماط كثيرة من الذوات المستعمرة أنماط قد يحصل الاختلاف بينها حد التناقض.

فالذات التي امتلأ خزانها – خزان وعيها – بعالمها الضيق والعزوف عن أي مشاركة في أي مجازفة مهما كانت عادية، ولا تفكر إلا بسبل السلامة الدائمة، وترفض المشاركة في إنجاب السعادة لدى الآخر، ولا يشكل الآخر في حياتها أي قيمة ولا يحتل أية مكانة في عالم عواطفها هذه الذات المستعمرة قد يكون رافدها الأرأس ثقافة غربية، كنمط حياة، أو ثقافة دينية، أو ثقافة هي خليط بين الثقافتين.

الرافد الأساس هنا داخلي: موقف من الحياة فيما الرافد الخارجي يعين هذا الموقف.

والذات المستعمرة بأيديولوجيا دينية لا تختلف كثيراً عن ذات مستعمرة بأيديولوجيا دنيوية، فكلتاهما مغلقتان على رافد واحد. والتفكير محدود بهذا الرافد أو ذاك، هذه الذات لا تتأمل وعيها، ولا سلوكها، ولا تلتفت إلى نتائجه على مصيرها.

إنها لا تتذكر وعيها إلا إذا واجهت وعياً مناقضاً ومضاداً وشاهراً سيفه أمامها ليحملها على أن تقبل برافد جديد لخزانها.

عندها تتحصن في دهليزها وتتحول إلى فاعل في الدفاع عن وعيها، وعندها فقط تعرف – بسلوكها – معنى المجازفة، مجازفة الدفاع، لكنها – وحدها – لا تخوض صراعاً مع ذاتها، لا تخوض محاولات تحرر إلا إذا واجهت مصادفة حدثاً جللاً.

وهكذا نكون أمام ثلاث حالات من الذات المستعمرة:

الأولى: الذات المستعمرة التي لا تعي وعيها أصلاً مع أنها تتصرف من وحيه دون أن تسأل لماذا.

الثانية: الذات المستعمرة التي تعي ذاتها بفعل نقيضها العملي وفي لحظة مواجهة.

الثالثة: الذات التي وعت وعيها وغيرت رافدها بفعل مصادفة ما حدثت في طريق حياتها، واستيقظت على جديد يغير من مسار وعيها.

ولهذا يكون التحرر من استعمار الوعي الثابت عملية معقدة وغالباً ما تكون بطيئة ونادرة.

الذات المستعمرة – قبل أن تعي وجودها- هي ذات راضية، طريقها واضح ومستقيم ومضيء وقصير، هي ذاتها تعيش داخل السور والإطار. ويجب ألا نخلط أبداً بين الرافد الذي يشكل وعياً أو يزعزع وعياً وبين اكتساب معارف ومعلومات لا تمارس أي زعزعة للوعي، وإنما تشكل حشواً تتعلم لغة جديدة لا فائدة منها. هذه الذات فيها من الحشو – الفقاعات ما يعينها على اللغو والموت والإماتة.

ذلك إنها تدافع عن سورها، سورها على أنه بيتها، ولا ترضى أبداً أن يخرجها أحد، أو جماعة بالقوة من هذا البيت، إنها تدافع سواء انتصرت أم لم تنتصر.

والذات إذا كانت مسورة بالمقدس، دنيوياً كان أم دينياً فإن الموت والإماتة سلوكها الممكن دائماً، فالمقدس الذي استعمرها صار سيدها، وغاية مضمرة يجب الدفاع عنها في لحظة تعرضها للخطر في لحظة النيل من خزان وعيها الآسن.

وعلى الرغم من أن هذا الخزان – هو الذات نفسها التي لا تلتفت إلى ذاتها، ولا تتأمل ذاتها – خزان لا يتأمل الخزان، فإن داخل هذا الخزان ماهو حاضر وماهو غائب. الحاضر هو الذي يظهر يومياً، الغائب هو النائم الذي لا يستيقظ إلا إذا دق ناقوس الخطر فوق رأسه.

يشكل الوعي النائم خطراً أكبر من الوعي الحاضر – في حال استيقاظه وشعوره بالخطر. فالوعي النائم، نائم لأنه لا حاجة إليه الآن. ولأنه قار في قعر المستنقع فإنه بخروجه إلى السطح يصطحب معه الرائحة الدفينة للمستنقع، والراكد خلف الطحالب السطحية، الوعي النائم هو وعي ما قبل الشعور ما وراء الشعور، والمسافة بينه وبين الشعور جد قصيرة، ولا يخرج إلى العلن بسبب التذكر، لأنه غير منسي بل غائب- غائب سرعان ما يحضر.

ولأن الذات المستعمَرة ذات راكدة، ولأنها مغلقة أمام الروافد الجديدة، ولأنها من طبيعة المستنقع، فإنها تشكل الذات في حال من انحطاط الرغبة.

أما الصورة الأطرف لتعرض الذات المستعمرة لرافد جديد مختلفة طبيعته عن طبيعة مضمون الخزان وتعينه فهي الانتقال من استعمار إلى آخر ليس إلا. من خزان مغلق إلى آخر مغلق وهذه صورة الانتقال من فيتيشية إلى أخرى مختلفة.

إن السؤال المهم: ما الذي يجعل من الذات مستعمرة؟ الذات بذاتها أم خزانها.

القول بوجود ذات مجردة دون خزان قول زائف، بل الذات هي خزانها. لكن خزانها هنا ليس خيارها في حال استعمارها. إن فهم هذه العملية يدعونا للتمييز منطقياً وليس وجودياً بين الذات وخزانها. ولما كانت الذات تتكون في ترابط مع عالمها المعيش فإن تغييرها لايعني سوى روافد العالم المعيش التي تصب فيها وموقفها من أي روافد أخرى، تسمح لها بأن تصب فيها أو أن تقيم سداً أمام تدفقها إليها. لكن الذات في تكونها فاعلة، فاعلة بمعنى وجودِ أثَرهِا في الخارج. أما لماذا تكون ذات مستعمرة فربما يكون عند فرويد وعند ماركس وعند نيتشه خبر يقين أو لا يكون.

وفي النقيض عن هذه الذات المستعمرة هناك الذات المتأففة.

الذات المتأففة ليست بلا خزان وعي، لكنها وهي معتدة بذاتها تحدد بحظ من الحرية نوع الرافد الذي يصب فيها. واعية لما يُصب في خزانها ولما يخرج منه ويصرف.

إنها ذات منفتحة متعددة الظهور، ترفض حاضرها دائماً، ملولة من عالمها الرتيب، العالم الرتيب ليس عالمها الفردي بل العالم المحيط، العالم الذي تلقي باللائمة عليه.

وتأففها من حاضرها يعني أنها مشدودة دائماً إلى الآتي، ولهذا فهي ذات التصور الدائم، الرغبة الدائمة التي لا تنفك تشحن الفاعلية النظرية والعلمية.

إن أقسى ما تتعرض له الذات المتأففة هو قمع حرية التعبير عن تأففها، التعبير الروحي

والتعبير المادي. ذلك أن إقامة سد أمام الرغبة في الوجود كما يجب أن يكون في البقاء يلقي بها في مقبرة الحياة وهي حية، إن الذات المتأففة لا تتأفف من حالة فردية- جزئية، إنها تتأفف وجودياً. ذلك أن التأفف الوجودي رفض كلي، رفض ثوري، تأفف لا يطيق أية سلطة قامعة.

النقيض الحقيقي للتأفف هو الدولة، الدولة رمز القبول والإذعان. ولهذا فإن المبدع الذي لا يستطيع أن يواجه سلطة الدولة مادياً يواجهها عبر اللغة.

تأفف اللغة وسيلة متعددة الأشكال على سلطة الدولة، كما تتأفف الألوان عند الفنان التشكيلي، وتأفف النغم عند الموسيقى.

إن خطر الثورات في العالم، الثورات التي حدثت والتي تحدث والتي ستحدث اعتقادها أنها حققت ما تريده من التأفف الوجودي، وبالتالي تضع حداً للتأفف، وتراه مناقضاً للثورة، هذا الخطر على الذات هو أكثر بكثير من خطر الواقع القديم الذي نجح التأفف في استئصاله.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني