الحرب الإيرانية – الإسرائيلية تحت نار ترامب: ضربة أم مقدمة لانفجار كبير؟
في لحظة فارقة من التصعيد، أعلن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، في تصريح مفاجئ أعاد تشكيل خارطة الصراع في الشرق الأوسط، أن الولايات المتحدة نفذت “هجوماً ناجحاً للغاية” على المنشآت النووية الإيرانية في فوردو ونطنز وأصفهان.
الهجوم لم يكن مجرد عملية عسكرية محدودة، بل إعلان صارخ عن دخول واشنطن المباشر والصريح على خط الحرب الإيرانية – الإسرائيلية، مزيلاً بذلك الحجاب الرمادي الذي ظل يغطي الأدوار الأميركية لعقود في هذا الملف.
ليست هذه الضربة ضربة فيزيائية فحسب؛ إنها ضربة سياسية واستراتيجية بامتياز، تحمل رسائل حادة إلى طهران، كما إلى العواصم الكبرى في بكين وموسكو، مفادها أن أمن إسرائيل والخليج العربي لم يعد قابلاً للنقاش، وأن خطوط واشنطن الحمراء، إن تم تجاوزها، ستُفرض بالقوة لا بالمفاوضات.
بكلمات أكثر وضوحاً، جاء على لسان ترامب: “لقد أرسلنا رسالة لا لبس فيها: الولايات المتحدة لن تسمح لنظام الملالي بتهديد العالم بسلاح نووي”، وهي عبارة تذكّرنا بلغة جورج بوش الابن عشية اجتياح العراق، حين قال: “علينا أن نتصرف قبل أن يتحول الخطر إلى كارثة”.
الأسئلة التي تنفجر بعد هذه الضربة ليست قليلة، ولا يمكن التعامل معها على أنها فصل مؤقت من مشهد قابل للضبط.
السؤال الأكثر إلحاحاً: هل سترد إيران؟
وإن فعلت، فهل ستختار المواجهة المباشرة أم عبر وكلائها المنتشرين من اليمن حتى لبنان؟
أم أنها، كما يتكهن البعض، ستفضّل التريث لإعادة تشكيل معادلة الردع دون الانجرار إلى حرب مفتوحة؟
التاريخ القريب لا يمنح كثيراً من الاطمئنان.
تجربة الرد الإيراني بعد اغتيال قاسم سليماني كانت محسوبة للغاية، لكنها لم تُنهِ دوامة الصراع، بل أعادت تشكيلها بأساليب جديدة.
أما اليوم، فالوضع مختلف تماماً؛ نحن أمام استهداف مباشر لبنية البرنامج النووي، وهي مسألة لا يمكن للنظام الإيراني أن يتجاهلها دون أن يدفع ثمناً داخلياً باهظاً، سواء على صعيد شرعيته أو تماسكه، وهو الذي أفقر الشعب الإيراني، وأقنعه بعيشة التقشف لصالح انتاج القوة العسكرية، والمشروع الإيراني الكبير الذي كان يحلم به النظام الإيراني.
من جانب آخر، فإن موقف روسيا والصين يبقى غامضاً، وإن كان يحمل إشارات واضحة إلى الاستياء من التوسع الأميركي. فروسيا، الغارقة في استنزاف أوكرانيا، قد تجد في التصعيد الإيراني فرصة لتشتيت الضغط الغربي عنها، لكن دون القدرة الفعلية على التدخل المباشر.
الصين، من جهتها، تسعى للعب دور الوسيط الاستراتيجي في المنطقة، بعد نجاحها النسبي في التوسط بين الرياض وطهران، لكن الضربة الأميركية جاءت لتنسف هذا المسار وتعيد خلط الأوراق، رغم أن هناك مصادر صينية تؤكد أن الصين لن تكون طرفا في هذه الحرب، وليس هذا فقط بل ولن تقوم الصين بتزويد أي طرف من أطراف الصراع بالأسلحة.
ولكن ليس من المستبعد أن تتحول الضربة إلى ورقة إضافية تُوظفها بكين وموسكو لإحراج واشنطن في ملفات أخرى، من أوكرانيا إلى بحر الصين الجنوبي.
أما الاتفاق النووي، الذي كان قد لفظ أنفاسه الأخيرة بعد انسحاب واشنطن في عهد ترامب، فيبدو الآن كجثة سياسية تُسحب من الميدان.
لم يعد ثمة هامش جدي للعودة إلى صيغة 2015.
والسؤال الحقيقي بات: هل يُعاد فتح باب التفاوض بصيغة جديدة، بشروط أميركية–إسرائيلية صلبة، أم أن إيران ستُدفع إلى الزاوية لتقبل بتسوية مذلة، شبيهة بتسوية معمر القذافي عام 2003 حين أعلن التخلي الطوعي عن برنامجه النووي؟
وفي الداخل الإيراني، فإن هذه الضربة تأتي في وقت شديد الحساسية. اقتصاد متهاوٍ، تململ شعبي مكتوم، وانتفاضات متقطعة منذ 2019، تشير جميعها إلى أن النظام الإيراني لا يمتلك ترف التجاهل.
قد يسعى المرشد الأعلى علي خامنئي إلى تحويل الحدث إلى وسيلة لتعبئة شعبية، متذرعاً بـ ”الخطر الأميركي – الصهيوني”، لكن الخطر الحقيقي يتمثل في احتمال أن تتحول هذه التعبئة إلى غضب داخلي ضد السلطة ذاتها، لا ضد خصومها.
ومع امتداد الأذرع الإيرانية في العراق ولبنان واليمن، تصبح دول الجوار مهددة بالتحول إلى ساحات حرب بالوكالة، أو حتى لصدامات مباشرة.
وهنا تتكرر صورة لبنان 2006 أو العراق 2020، لكن هذه المرة بمخاطر أكبر وبدون مظلات دولية حقيقية للتهدئة.
في هذا السياق، يحذر الخبير الأميركي في شؤون الأمن القومي “كينيث بولاك” من أن “أي حساب خاطئ في الرد الإيراني، أو في استيعاب طهران لرسالة ترامب، يمكن أن يؤدي إلى حرب لا تُبقي ولا تذر”، مضيفاً أن “الردع عبر التنفيذ هو أخطر أشكال الاستراتيجية، لأنه يعوّل على تفسير الآخر للرسالة وليس مضمونها فقط”.
نحن أمام مفصل زمني، قد يؤسس لنهاية مرحلة التمدد الإيراني التي بدأت بعد سقوط بغداد عام 2003، حين فُتح المجال الجيوسياسي أمام طهران لبسط نفوذها الإقليمي.
لكن هذا المفصل قد يتحول أيضاً إلى بداية انفجار واسع، تعجز كل الأطراف عن ضبط إيقاعه، خاصة في ظل هشاشة الداخل الإيراني، وشراسة الخطاب الإسرائيلي، واندفاع إدارة أميركية لا تزال، وإن عبر ترامب أو خليفته، تعتقد أن القوة هي لغة الشرق الأوسط الوحيدة.
الانفجار الكبير قد لا يبدأ اليوم، لكن الأبواب باتت مفتوحة على كل الاحتمالات.
وإذا كانت الضربة الأميركية تحمل في ظاهرها رسالة ردع، فإن باطنها لا ينفصل عن منطق “هندسة السلام بالقوة”، وهو منطق كثيراً ما أدى إلى العكس!.