
التعليم في سوريا ما بعد التحرير: موحسن نموذج لجيل يحاول اللحاق بحلمه
مع تحرير سوريا، عاد آلاف الطلاب إلى مدنهم حاملين دفاتر من مناهج مختلفة وأسئلة أثقل من أعمارهم. لم تكن العودة إلى المدرسة أسهل من العودة إلى الوطن؛ مدارس مدمرة، مناهج متباينة، لغات متعددة، وضغط امتحانات مصيرية. هذا هو واقع التعليم في موحسن شرق دير الزور، حيث يواجه جيل تعلم خارج البلاد اندماجاً مفاجئاً في النظام التعليمي السوري.
في هذا التحقيق الصحفي، تقدم نيناربرس شهادات الطلاب، وأصوات أولياء الأمور، والمعلمين، والإداريين، لتسبر واقع التعليم في مدينة تحاول النهوض بعد سنوات من النزوح والدمار، وتجيب عن السؤال المركزي: هل تستطيع المدارس السورية احتواء هذا الجيل ومنحه فرصة حقيقية للحاق بحلمه الأكاديمي؟
بين لغتين وبلدين وحلم واحد:
هديل أنس الدرويش، طالبة بكالوريا علمي في ثانوية الشهيد حاكم الفندي، تمثل جيلاً عاد بعد سنوات من الدراسة خارج سوريا. تواجه فجوات تعليمية هائلة وسط اختلاف المناهج:
«الصعوبة الأولى كانت أسلوب الدراسة باللغة العربية، لأنني غير متمكنة من المنهاج والقواعد. المواد العلمية أسهل نسبياً، لكن المصطلحات التركية صعبة بالعربية، وهذا يجعل كل درس تحدياً جديداً».
ولتعويض الفاقد التعليمي، لجأت إلى الجهد الفردي:
«أتابع الشروحات على اليوتيوب، وأستعين بوالدتي لتعويض ما فاتني».
لكن الدعم المدرسي لم يكن دائماً حاضراً:
«بعض المعلمين قالوا لنا: ليست مشكلتنا أنكم لم تدرسوا في سوريا».
وفي سنة حاسمة، تضاعف الضغط النفسي:
«أعيش تعباً نفسياً شديداً، وتوتراً مستمراً وخوفاً حقيقياً من الرسوب… نحن مو ذنبنا أن تصير حرب، وندرس المنهاج التركي 11 سنة، ثم يُطلب منا فجأة تقديم بكالوريا علمي بالمنهاج العربي المكثف».
وتختتم نصيحتها للطلاب العائدين:
«أنصحهم بعدم العودة قبل إنهاء المرحلة الثانوية، ونحتاج اهتماماً حقيقياً بمدارس موحسن ومعلمين مختصين».
جهود الأسرة تقوّي الطلاب وتسد فجوة التعليم:
نسرين الموسى، معلمة في مدرسة البوسيد وأم لخمسة طلاب، تؤكد أن الدعم الأسري لعب دوراً أساسياً في نجاح أبنائها:
«كانت تجربة أبنائي بعد العودة جيدة، وكانوا متشوقين جداً للرجوع إلى المدرسة».
وتوضح كيف ساهمت الجهود المنزلية في سد الفجوات التعليمية:
«خلال وجودنا في تركيا كنت أتابع تأسيسهم باللغة العربية، القرآن الكريم، إضافة إلى دروس بنظام التعليم عن بعد بشكل منظم».
وتضيف:
«ما نحتاجه اليوم هو اهتمام أكبر، فهناك نقص واضح في الوسائل التعليمية، مثل شاشات ذكية ومستخدم للمدرسة ومدرس لمادة الرياضة».
مدرسة البوسيد: أُعيد بناؤها بجهود الأهالي فقط:
سمر جدوع المعيوف، مديرة مدرسة البوسيد الابتدائية، تتحدث عن تجربة إعادة الإعمار التي بدأها المجتمع المحلي:
«لم تقدّم لنا مديرية التربية خلال الفصل الأول سوى خمسين مقعداً وخمس كراسٍ بلاستيكية، في حين تكفّل المجتمع المحلي والمغتربون بكل شيء».
وتكشف عن فجوة لغوية لدى الطلاب العائدين:
«نجد طالباً مجداً في الرياضيات أو الإنجليزية شفهياً، لكنه عاجز عن التعبير عند الكتابة بالعربية».
وترى المعيوف أن معالجة التحديات تتطلب:
«دورات تأسيسية في اللغة العربية، أنشطة صيفية ونوادٍ تربوية، وتدريب المعلمين لمواكبة أساليب التعليم الحديثة».
وتلخص رؤيتها المستقبلية:
«مستقبل التعليم مرتبط بدعم اللغة العربية للطلاب العائدين، وتوفير بيئة نفسية آمنة، وتمكين المعلم».
الأهل في مواجهة تعليم الطوارئ:
الشيخ بدر الدين البرجس، ولي أمر عشرة طلاب، يصف واقع التعليم بعد العودة:
«نحن أمام تحديات من كل النواحي، بدءاً من البنية التحتية للمدارس، وصولاً إلى نقص الكوادر التدريسية».
ويشير إلى ضرورة مقاربة شاملة:
«رفع مستوى التعليم لا يتحقق بالمنهاج وحده، بل بإعادة بناء المدرسة، وتمكين المعلم، وتعويض الطالب عن سنوات النزوح».
أرقام تكشف حجم التحديات:
الأستاذ نوري الحمادة، مسؤول الإحصاء في المجمع التربوي، يرصد الواقع الإحصائي للتعليم:
«يُدرس في موحسن أكثر من ألف طالب في المرحلة الابتدائية، ونحو 250 في الإعدادية، وحوالي 100 في الثانوية، غالبيتهم عادوا من تركيا أو الشمال السوري».
ويشير إلى نقص الأوراق الثبوتية وضعف خبرة المدراء:
«مديرية التربية بحاجة لدورات لتأهيل الإداريين لمواكبة تطور العملية التعليمية».
ويؤكد على دور المجتمع المحلي:
«مدارس موحسن اعتمدت 100% على جهود المجتمع المحلي من أبناء موحسن المغتربين».
التعليم بين العودة من النزوح وتحديات الاستيعاب:
الأستاذ بسام الكيصوم، المشرف التربوي في مجمع موحسن، يقدم رؤية شاملة للتحديات والحلول:
«إعداد الطلاب في تزايد مستمر بعد أكثر من عشر سنوات من النزوح».
ويؤكد التزام الكادر بالخطة التعليمية:
«المعلمين على قدر من المسؤولية، ويعملون وفق الخطة المرسومة من الوزارة».
وعن الرؤية المستقبلية:
«هدفنا رفع سوية التعليم، ومتابعة المعلمين والطلاب، وضمان خروج خريجين بكفاءات أعلى».
بين الحلم والواجب الحكومي:
بعد سنوات من النزوح والدمار، يقف طلاب موحسن أمام امتحان الوطن نفسه. المدارس أعيدت بجهود الأهالي والمجتمع المحلي، والمعلمون يسدّون فجوات التعليم، والطلاب يسعون للحاق بأحلامهم وسط فجوات معرفية ولغوية هائلة… كل ذلك يحدث في ظل دعم رسمي محدود.
مع تحرير معظم المنطقة الشرقية وعودة خيرات سوريا، يبقى السؤال: هل ستتحمل الحكومة مسؤوليتها تجاه هذه المدارس وطلابها؟
هل ستعمل على إعادة تأهيل المدارس، وتمكين المعلمين، وتوفير بيئة تعليمية متكاملة تتيح لهذا الجيل اللحاق بحلمه الأكاديمي، أم سيظل التعليم مجرد “إسعاف” مؤقت على حساب مستقبل الأطفال؟