التحويلات المالية للسوريين في الشتات.. بقاءٌ مموّل واستقرار هش

0

تشكل التحويلات المالية التي يرسلها السوريون العاملون والمهاجرون في الخارج، سواء في دول الخليج أو أوروبا وسائر مناطق الشتات، أحد أبرز الظواهر الاقتصادية والاجتماعية في سوريا المعاصرة، فقد أصبحت هذه التحويلات في السنوات الأخيرة العمود الفقري لبقاء شرائح واسعة من المجتمع، ومصدر الدخل الأساسي لملايين الأسر التي انهارت مواردها بعد الحرب وتراجع النشاط الاقتصادي، وأهمية هذه الظاهرة تتجاوز بعدها الاقتصادي المباشر، فهي تعكس تحوّلاً عميقاً في طبيعة الريع ودوره الاجتماعي والسياسي، بما يتماشى مع ما يسميه الباحث الألماني (هانس وارنكه برغر) بالريع العمّالي التفاضلي، أي الريع الناتج عن الفوارق العالمية في الأجور وفرص العمل، لا من الموارد الطبيعية كالنفط أو الغاز.

لا يمكن النظر إلى التحويلات المالية من الخليج أو أوروبا على أنها مجرد أموال تصل من فرد إلى أسرته، فهي نتيجة مباشرة لاختلالات بنيوية بين الشمال والجنوب، وبين المراكز الرأسمالية والهوامش التابعة، حيث يستفيد العامل السوري في الخليج أو اللاجئ في أوروبا من الفارق الكبير في الأجور ومستويات الأسعار، فيحوّل جزءاً من دخله إلى أسرته داخل سوريا، لتتضاعف قيمته الشرائية، ومن هنا يمكن القول إن هذه التحويلات تمثل شكلاً جديداً من الريع، ناتجاً عن استغلال الفوارق في القيمة العالمية للعملة والعمل البشري، وتعكس جانباً من التقسيم الدولي غير العادل للعمل، حيث تستفيد المجتمعات الهشة من الفائض الذي ينتجه أبناؤها في اقتصادات أقوى.

ما يميز الريع العمّالي عن الريع النفطي هو طبيعته اللامركزية وارتباطه بالأسرة لا بالمؤسسة الرسمية، ففي الحالة السورية، تشكل الأسرة الممتدة بين الداخل والخارج، الخلية الأساسية في إدارة هذا الريع، فالمال المرسل ليس مجرد وسيلة للعيش، بل وسيلة للحفاظ على الترابط الأسري والرمزي بين المهاجر ومن تبقى من عائلته. ولهذا يصف (وارنكه برغر) التحويلات بأنها تقوم على اقتصاد أخلاقي غير محلي، أي أنها تُدار من خلال شبكة من الالتزامات العاطفية والاجتماعية المتبادلة، لا من خلال منطق السوق البحت. فالعلاقة بين المُرسل والمُتلقّي ليست علاقة تجارية، بل قائمة على الشعور بالواجب، والحب، والذنب، والانتماء.

هذه البنية الجديدة للعلاقات الاقتصادية والعاطفية تركت آثاراً عميقة في المجتمع السوري، فقد غيّرت التحويلات موازين السلطة داخل الأسرة، حيث بات المهاجر أو اللاجئ صاحب القرار المالي، وغالباً ما يكتسب سلطة رمزية تفوق سلطة الأب أو الأخ المقيم في الداخل، كما تراجع الدور الاقتصادي للنساء اللواتي بقين في سوريا، أو تحول إلى دور إداري في إدارة الأموال القادمة من الخارج. كذلك نشأت فروقات اجتماعية جديدة بين الأسر التي لديها أقارب في الخارج وتلك التي لا تملك أحداً، ما أدى إلى طبقية جديدة في المجتمع السوري تقوم على الوصول إلى الريع العمّالي بدل الريع السياسي أو الإداري، حيث صار المنزل الذي يُبنى بمال المهجرين، أو السيارة التي تُشترى من تحويلاتهم، رمزاً للمكانة الاجتماعية الجديدة.

اقتصادياً، أصبحت هذه التحويلات شريان الحياة للاقتصاد السوري، فهي تموّل الاستهلاك، وتغطي نفقات التعليم والزواج والعلاج، وتشكل المصدر الأكبر للعملات الأجنبية في البلاد، لكن هذه الوظيفة المنقذة للاقتصاد تحمل في طياتها مفارقة خطيرة، فبينما تساهم التحويلات في الحد من الفقر وتخفيف الأزمات المعيشية، فإنها تُضعف الحافز الإنتاجي الداخلي وتبقي البنية الاقتصادية معتمدة على الخارج.. ومع مرور الوقت، أصبح الاقتصاد السوري يعتمد على أموال المغتربين أكثر من اعتماده على الاستثمار أو الإنتاج المحلي، ما يعيد إنتاج نموذج الريع التقليدي بوسائل جديدة.

الأثر السياسي لهذا التحول لا يقل أهمية عن أثره الاقتصادي، فحين تصبح معيشة الأسرة السورية مرهونة بأموال أبنائها في الخارج، تتراجع مسؤولية الدولة تجاه المواطنين، بحيث لا تعد السلطة مطالبة بتأمين العمل أو تحسين المعيشة، لأن مصادر الدخل الأساسية أصبحت خارج حدودها، وبذلك تنتقل المساءلة السياسية من النظام الداخلي إلى المهاجرين أنفسهم، فالأسرة التي تعيش من تحويلات ابنها في ألمانيا أو السعودية لن توجه مطالبها إلى الحكومة، بل إلى ذلك الابن الذي أصبح، عن غير قصد، بديلاً عن الدولة، وهكذا تُسهم التحويلات في نزع الطابع السياسي عن الفقر والمعاناة، وتحويلهما إلى مسائل عائلية وشخصية، ما يضمن للنخب الحاكمة استمرار الاستقرار الاجتماعي من دون تقديم إصلاحات حقيقية أو توزيع عادل للثروة.

وفي المقابل، أظهرت عدة تجارب دولية سعي الدولة إلى الاستفادة من هذه التحويلات بطرق غير مباشرة، فهي لا تستطيع مصادرتها، لكنها تستطيع جني أرباح منها عبر سياسات مالية ومصرفية مثل فرض رسوم على الحوالات أو تعديل الضرائب باتجاه الضرائب غير المباشرة، مثل ضريبة القيمة المضافة، ما يعني أن الفقراء يتحملون العبء الأكبر. كما تشجع السلطات على تحويل الأموال عبر القنوات الرسمية بأسعار صرف أقل من السوق، الأمر الذي يتيح لها تحقيق ربح سهل من فروقات العملة.. إضافة إلى ذلك، سعت المصارف المحلية ضمن بعض التجارب إلى إدخال الأسر المتلقية للتحويلات في النظام المالي الرسمي عبر القروض المضمونة بالتحويلات، أي أن التحويلات أصبحت بوابة لعملية تسييل مالي وهيمنة مصرفية جديدة.

وإذا ما وسّعنا النظر إلى مجمل الشتات السوري، نرى أن اندماج اللاجئين في سوق العمل الأوروبية، وتحصلهم على حقوق قانونية واجتماعية، يجعلهم أكثر قدرة على دعم عائلاتهم في الداخل بشكل دائم. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه التحويلات الأوروبية أكثر تأثيراً في بعض المناطق السورية من تلك القادمة من الخليج، ما يعكس تنوع مصادر الريع العمّالي السوري وانتشاره عالمياً.

لكن الاعتماد المفرط على الأموال الخارجية يحمل خطراً هيكلياً طويل الأمد، فالمجتمع الذي يعيش على التحويلات يبقى في حالة تعليق اقتصادي، فهو ليس فقيراً بما يكفي للانفجار، ولا غنياً بما يكفي للنهوض، وتتحول هذه الحالة إلى ما يمكن تسميته بالاستقرار الفقير، حيث يحافظ المال القادم من الخارج على الحد الأدنى من المعيشة، لكنه في الوقت نفسه يُجمّد إمكانات التغيير الاجتماعي والسياسي، فالمال الذي يخفف معاناة الأسر السورية هو ذاته الذي يُبقي النخبة الحاكمة في موقعها، لأنّ الأزمات لم تعد تُنتج احتجاجاً سياسياً، بل مجرد طلب متزايد على التحويلات.

في المحصلة، تمثل التحويلات المالية للسوريين في الشتات شكلاً من الريع في عصر العولمة، فالتحويلات عبارة عن ريع يتولد من التفاوت البنيوي في الأجور، ويتغذى من المشاعر والروابط العائلية، ويتحول إلى شبكة مالية واجتماعية عابرة للحدود، غير أنها في الوقت نفسه تعيد إنتاج التبعية واللامساواة، وتُسهم في ترسيخ نظام اجتماعي واقتصادي يعتمد على الخارج بدل الاعتماد على ذاته.

هكذا يصبح المال القادم من الغربة وسيلة للبقاء، لكنه أيضاً أداة لإدامة الجمود، حيث يستمر المجتمع في العيش بفضل ما يرسله أبناؤه، فيما تظل الدولة متفرّجة من بعيد، مطمئنة إلى أن الريع العمّالي الجديد كفيل بضمان السكون من دون إصلاح، والاستقرار من دون عدالة.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني