
دارت الكأس بالرّؤوس فتمايلت سُكْراً، وترنّحت العقول انتشاء، وأشرقت الشّمس من مغربها. تململ المهلهل في جلسته.. وحمحمت الخيل تعلك اللّجم.. وتجمهر النّاس يتساءلون…
اعتلى المنصّة.. صَفَق كفّاً بكفّ فساد الصّمت، وشخصت العيون إليه. أجال نظره في الجموع المحتشدة.. تلفّت يَمْنة ويَسْرة.. عبّ نفساً عميقاً.. ملأ رئتيه بالهواء وزفره على مهل.. نزع غطاء رأسه ورماه جانباً، وصدح: «أنا ابن جلا وطلّاع الثنايا…»*.. مَن أنتم؟ عرّفوا بأنفسكم…
– أنا مَن قيل بهم «ولا عيبَ فيهم غير أنّ سيوفهم…»1
– وافتخر ثانٍ «إذا ما طلبنا تبْلَنا عند معشرٍ…»2
– وأنشد ثالث قومي «إذا فزعوا طاروا إلى مستغيثهم…»3
– وصوّت رابع «وما أنا إلّا من غزيّةَ إنْ غوتْ…»4
– ورفع الخامس عقيرته «ألا لا يجهلنْ أحدٌ علينا…»5
– أمّا السّادس فصرخ: أقسم.. إنّها جاهليّة.. أهذا الارتقاء المشتهى الذي خرجنا من أجله وطلبناه…؟ فنهره: اصمت.. قُطع لسانُك.
ماجت الجماهير وتعالت الأصوات تؤيّد الصّارخ: «ما هذه هويّتنا…» قال: أعيدوها.. فكرّروها. احمرّت عيناه، واستشاط… وانتفخت أوداجه.. وصاح: أنا مَن يقرّرها.. يا معشر القبيلة.. أسكتوهم.. اسحلوهم.. اسلخوا الجلود.. قصّوا الرّقاب.. اشتاقت الصّحراء… ورمالها تناديكم لترووا عطشها..
امتشقوا البنادق.. صوّبوا فوهاتها إلى الصّدور.. انطلقت رصاصاتهم فاحتضنتها الحنايا، ونزف القاني فطهّر الأديم.. وهاج الجمع واختلط النّفير…
برز طفل كأنما انشقّت الأرض ولفظته يرفع راية، ويلوّح بها عالياً.. وانبرى يتكلّم جهوراً: ما بالكم.. أغمدوا حرابكم، واحقنوا الدّماء فتردّد صدى كلماته… عدوكم يتربّص بكم… يختبئ تحت ثيابكم.. يتسلّل بين جوانحكم.. فلا تأمنوه.. ولا تظنّوا بالدهر خيراً فإنّه يتقلّب.. والأيام دول. وتابع.. إنْ تفتكروا اليوم لكم فإنّا نرى غداً لنا.. وهزج… فردّدوا خلفه…
1- النابغة الذبياني: بهن فلولٌ من قراع الكتائب
2- عبد العُزّى الطائي: أبينا حِلاب الدرّ أو نشرب الدّما (تبْلنا= ثأرنا)
3- زهير ابن أبي سلمى: طوال الرماح لا ضعافٌ ولا عُزّل
4- دريد بن الصّمّة: غويتُ وإن ترشد غزيّة أرشدِ
5- عمرو بن كلثوم: فنجهلُ فوق جهل الجاهلينا
*– الحجّاج: متى أضع العمامة تعرفوني