الإعلام السوري بين الحقيقة والعدالة: نحو دور محوري للصحافة في مسار العدالة الانتقالية

0

“الكلمة كجسرٍ نحو العدالة: حين يصبح الإعلام ضمير سوريا الجديدة”

في بلدٍ أنهكته الحرب والصمت، تبرز الكلمة اليوم كأداة مقاومة لا تقلّ شجاعة عن صوت العدالة نفسها.

فبعد أربعة عشر عاماً من القمع والتعتيم، تُعيد الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان طرح سؤالٍ مصيري:

هل يمكن للإعلام السوري أن يكون شريكاً في بناء العدالة، لا مجرد شاهدٍ على المأساة؟

في تقريرٍ جديد بعنوان:

“دور الصحافة في مسار العدالة الانتقالية في سوريا بعد سنوات من القمع والترهيب”،

تضع الشَّبكة رؤية شاملة لدور الإعلام الحر في كشف الحقيقة، ومواجهة ثقافة الإنكار، ودعم المصالحة الوطنية في سوريا الجديدة.

الإعلام… رئة الحقيقة السورية:

يقول فضل عبد الغني، المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان:

“لقد شكّل الإعلام على مدى السنوات الأربع عشرة الماضية رئة الحقيقة التي تنفّست من خلالها قضايا الضحايا السوريين، ونافذتهم إلى العالم.

في كل مرحلة من مراحل المأساة السورية، وقف الصحفيون – المحترفون منهم والمواطنون – في الصفوف الأمامية، يوثقون بدمائهم ما عجزت الآليات الدولية عن توثيقه.”

ويضيف:

“نعتبر العمل الإعلامي شريكاً استراتيجياً في مسار العدالة الانتقالية. فلولا الجهد الذي بذله الإعلاميون، لكان آلاف الضحايا عرضة للنسيان، ولتم طمس الكثير من الانتهاكات.”

تُظهر بيانات الشَّبكة حجم الثمن الذي دفعه الصحفيون في سبيل الحقيقة:

725 من العاملين في القطاع الإعلامي قُتلوا منذ آذار/مارس 2011 حتى حزيران/يونيو 2025، بينهم 7 أطفال و6 سيدات و9 صحفيين أجانب، منهم 559 على يد قوات نظام الأسد.

كما لا يزال 486 إعلامياً مختفين قسرياً، بينهم 9 سيدات و17 أجنبياً، منهم 392 حالة على يد النظام.

الإعلام الانتقالي: من نقل الخبر إلى بناء العدالة:

يرى التقرير أن الصحافة، في سياقات ما بعد النزاع، تتحول من ناقلٍ للأحداث إلى فاعلٍ في إعادة بناء الوعي الجمعي.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم “الإعلام الانتقالي” بوصفه أداة استراتيجية في دعم العدالة الانتقالية، من خلال محورين أساسيين:

1- تحوّل وظيفة الصحافة بعد انهيار الرقابة:

مع انحسار القمع، تنفتح الساحة أمام ولادة إعلامٍ مستقل يسعى إلى المصداقية والانفتاح، مدعوماً بتقنيات رقمية جديدة تُسهم في توسيع دائرة التوثيق والمساءلة.

2- الصحافة كركيزة للعدالة الانتقالية:

تغطية أعمال لجان الحقيقة والمصالحة.

الرقابة على العدالة القضائية وتعزيز ثقة الجمهور بالقضاء.

بناء سردية وطنية جامعة تتجاوز الانقسامات.

حفظ الذاكرة الجماعية وتوثيق الانتهاكات كأرشيف وطني للحق والعدالة.

نحو إعلامٍ وطنيّ في سوريا الجديدة:

يحدّد التقرير خمسة محاور رئيسة لدور الإعلام في سوريا ما بعد الاستبداد:

1. حفظ الذاكرة الوطنية:

عبر توثيق الانتهاكات وإنشاء أرشيف يحول دون طمس الحقيقة.

2. الرقابة على العدالة:

من خلال تغطية المحاكمات وكشف أوجه التقصير في المؤسسات القضائية.

3. منصة للحوار الوطني:

تتيح النقاش العام حول قضايا الدستور والمصالحة، وتكسر الخطابات الطائفية.

4. حارس الديمقراطية الناشئة:

بدعم ثقافة حقوق الإنسان، ومواجهة محاولات إعادة إنتاج الاستبداد.

5. مواجهة خطاب الإنكار:

عبر تفكيك الروايات المضللة وتقديم توثيق مهني يرسّخ المساءلة.

التحديات والحلول: إعلام ما بعد القمع:

يواجه الإعلام السوري اليوم تحديات معقدة تهدد استقلاليته وقدرته على المساهمة في العدالة الانتقالية، أبرزها:

الفراغ القانوني: غياب تشريعات تحمي حرية الصحافة وتجرّم خطاب الكراهية.

ضعف البنية التحتية والتمويل: نتيجة الفساد والدمار المؤسسي.

الانقسامات المجتمعية: التي أضعفت الثقة بالإعلام وأعاقت بناء خطاب وطني جامع.

ولمواجهة ذلك، يقترح التقرير خارطة طريق واضحة تشمل:

1. إصلاح الإطار القانوني بما يضمن حرية التعبير وفق المعايير الدولية.

2. بناء قدرات إعلامية مستقلة بالشراكة مع منظمات دولية، وتأسيس ميثاق شرف مهني.

3. تعزيز ثقافة العدالة والمساءلة عبر حملات إعلامية مجتمعية.

4. مكافحة التضليل وخطاب الكراهية بآليات رصد وتحليل احترافية.

5. وضع الضحايا في صميم السرد الإعلامي باعتبارهم محور الحقيقة والعدالة.

“الإعلام… حارس الحقيقة وبوابة العدالة القادمة”:

يرى التقرير أن الإعلام السوري يقف اليوم أمام اختبارٍ تاريخي — فإما أن يكون أداةً لبناء العدالة، أو ساحةً لإعادة إنتاج الظلم.

في سوريا الجديدة، لم يعد دور الصحافة أن “تنقل الخبر” فقط، بل أن تحرس الحقيقة وتُسهم في إعادة بناء الوعي والذاكرة والضمير الجمعي.

ومتى امتلك الإعلام الحرّ أدواته المهنية والضمانات القانونية، يمكن أن يصبح شريكاً أصيلاً في التحول الديمقراطي والعدالة الانتقالية، لا مجرد شاهد على الخراب.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني