
أخيراً وصلتُها، توقفت السيارة في منطقة تشرف عليها، وترجّلتُ منها فانبسط شرشف مناظرها الخلابة أمامي. قرية متواضعة تتوسّد صدر الجبل، تتمسّك بماضٍ جميل، وترنو لمستقبل أفضل. أغفلت مأساة زلزال حلّت بها حين اقتحمتها جحافل الشّرّ، فقتلت غالبية سكّانها، وشرّدت ما تبقى…، وأحرقت الأبنية ودمرتها…، جلستُ على صخرة ناتئة، وتفحّصتُها، ثم فتحتُ ألبوم الصور القديمة على واحدة ورحت أقارنها.. جمال طبيعتها ونضرة أشجارها وأعشابها تكاد تكون هي نفسها التي عرفتها وأنا طفلة، البيوت الحجرية تغيّرت معالمها، وطغى الإسمنت عليها، والأزقة الضيقة اتسعت. أين هي الدار التي ولدت فيها؟ ومَن يسكنها الآن؟ عببتُ هواء ملء رئتيَّ.. زفرته حارّاً، ومشيت باحثة عن مسقط رأسي…
وسط الساحة قابلت شيخاً.. سألته عن مكان البيت في الصورة فأشار… كان هناك، أزال أبو حمود عابد الفهد أنقاضه، وأشاد البناء الأبيض الذي ترينه. قصدته.. وقفت قبالته وأجلتُ النظر في الواجهة والحديقة والسور. تبدّل كلّ شيء حتى أنا لم أعد ليلى الصغيرة التي لعبت في الفناء الواسع، وامتطت كتفي والدها، ودغدغ جدّها وجنتيها، ورافقت عمّها إلى الدكان ليشتري لها حلاوة تعشقها…، ونامت هانئة في حضن جدّتها…، رجعت بي الذاكرة إلى يومٍ اكفهرّت سماؤه بغبار وغازات ودخان، وبنادق رجال عندما حملني أبي وركضت أمّي خلفنا، وتبعثر الناس كحبات قمح ألقتها سيدة لدجاجاتها حين أزّت وانفجرت قربنا فتدحرجنا على الأرض، ولمّا انجلى الموقف رأيت والدي هامداً لا يتحرك، مضرجاً بالدم، ومعفّراً بالتراب والحصى. أحسست بألم في رجلي فصرخت…، نهضت أمّي مغبّرة، وأردفتني على ظهرها هاربة في الطريق بين شجيرات التين والتفاح وأنا أتأبط محفظة أعطتنيها، وكيف التحقنا بمجموعة مهاجرة، وصعدنا إلى زورق يكتظ بالركاب الفارين من جحيم إلى آخر، وانطلق في عرض البحر يصارع الأمواج فيعلو ويهبط، وفي لحظة حاسمة انقلب وتعالت صرخات شقّت ظلمة ليل لا ينوس فيها قبس ضوء ولو من بعيد، غصتُ… ولولا سترة النجاة ما صعدتُ إلى السطح، تقاذفني الموج، وغاب الجميع في لجّة باردة، ولم أسمع أحداً. استولى عليّ الخوف، وشعرتُ ببرودة في أطرافي، تسلّلتْ إلى جسدي، واجتاحني خدر لذيذ، وراودني نعاس فرأيت أمّي تناديني وتلوّح بيدها ثم اختفت.. تعانقت جفوني فغفوتُ…
سمعتُ لغطاً.. انفرجت رموشي فشاهدت غرفة، كلّ ما فيها أخضر، وأنابيب موصولة بساعديّ. لم أفهم كلمة… وجاءت مترجمة دوّنت اسمي في أوراق. استفسرتُ عن والدتي فصدمني الجواب: ربما ابتلعها اليمّ… ولمّا تماثلتُ للشفاء استضافتني امرأة عوّضتني الكثير من حنان والديّ، وأدخلتني المدرسة…، مرضتْ وأنا في سنتي الأخيرة بالجامعة، وفاضت روحها إلى بارئها، فأصبحتُ وحيدة… حزنتُ حزناً كبيراً لفقدي إيّاها أمّاً.. صرت موزّعة بين عالمين يغريانني، ويشدّانني… احترت لأيّهما أميل. الأول نبتُّ فيه، وتنفّست عطره. أفقدني أهلي، أحبّ الناس…، دمهم يجري في عروقي، وصورتهم بهيّة تسكن مخيّلتي رغم الألم الذي عانيته. يقشعرّ جسمي كلّما تراءى لي منظر والدي…، وهلع أمّي وهي تحاول الإمساك بي وأنا أنسرب في المياه المثلّجة فتصدمني حقيقة “وطن يذبح أبناءه” فيعتصر فؤادي…، وينتصب قبالتي ثانٍ منحني كلً شيء بلا حساب، آواني لاجئة تائهة، وعشت فيه معزّزة، وتعلّمت…، وكرّمني بجنسيته، وأحاطني بإنسانيته، فكيف أتناساه؟ وهل من الحق والخُلق أن أعقّه؟! إنّه قدري أن أكون مقسّمة شطرين…
أكملت دراستي بما تركته لي تلك السيدة. وبعد التخرج أقضّني الحنين والشوق للجذور فقرّرتُ العودة…
خفق قلبي حين رأيت شابة في الشرفة.. ناديت يا أبا حمود فتعالى الصوت تفضّلي، وخرج لاستقبالي… عبرتُ البوابة إليه، وكما عهدته لولا الشيب الذي علاه، ابتسم وعيناه تتساءلان فقلت: أتتذكر معشوقة الحلوى يا عمّاه؟
– آآآ!… أنتِ…!!، وفتح ذراعيه…
ارتميتُ على صدره أتشمّم رائحته فحضنني…، وانهلّت الدموع على خدّينا…