الأسباب الرئيسية لانهيار تنظيم قسد

0

لم يتفاجأ كثيرون ممن يتابعون المشهد السوري بتفاصيله بانهيار تنظيم قسد، كما أنّ المتابعين بدقة للسياسات الأمريكية والدارسين لتغير المصالح الأمريكية لم يتفاجؤوا أيضاً.

يظنّ الكثيرون أنّ لمجيء إدارة ترامب وشخصية الرئيس بالذات أثراً بالغ الأهمية فيما حدث (وبالتأكيد لحزب الرئيس ونوعية الشخصيات الذين يُحضِرهم معه أثراً لا يمكن تجاهله)، لكن الجميع يُدرك بأنّ الولايات المتحدة دولة المؤسسات الكبرى والراسخة هي من تصوغ التوجهات الاستراتيجية والسياسات الكبرى وتضع الخيارات أمام الإدارة للاختيار بينها، لكن كل تلك الخيارات تكون متقاربة، وقد يكون شكل وطريقة تنفيذها يُترَك للرئيس وفريقه، ولكنها في أهدافها موضوعة من تكنوقراط وسياسيين وخبراء لتحقيق مصالح الدولة وليس حزباً أو تياراً أو فرداً.

بعد القضاء على تنظيم داعش وانتهاء التخادم الأمريكي الإيراني وطوفان الأقصى والغزو الروسي لأوكرانيا والأهم هو سقوط نظام الأسد، تبدّلت معطيات كثيرة على الأرض، وبرزت توجهات أو مصالح أخرى لكل الأطراف، وبما أننا نناقش هنا ما يخص استراتيجيات الولايات المتحدة في المنطقة فإنّ أدوات قديمة لم تعد صالحة لبناء استراتيجيات جديدة، أو حتى أنها أصبحت عبئاً ثقيلاً على السياسات الأمريكية ولابد من التخلص منها والاعتماد على حوامل محلية جديدة تُناسب المراحل القادمة، وهو ما حدث بالفعل في ظل اختيارات الإدارة الأمريكية بين متابعة الاعتماد على تنظيم دون الدولة هو قسد متخاصم أو معادي للحواضن المحلية والدول الإقليمية وبين حكومة سورية مركزية ناشئة مدعومة شعبياً وإقليمياً، فكان اختيار الولايات المتحدة بديهياً نحو حصر التعاون مع الحكومة السورية ونبذ تنظيم قسد، وقد غاب عن قيادة ذلك التنظيم أنّ الولايات المتحدة في الأحوال العادية تُفضّل التعاون مع الحكومات التي تُمثّل الدول وليس تنظيمات ما قبل الدولة، ويكون شرط تعاونها مع تنظيمات دون الدولة أن تكون على عداوة مع الدولة التي موجودة بها تلك التنظيمات، وهو ما حدث عندما كان نظام الأسد في السلطة كنظام عدو، وهو ما ترك خياراً وحيداً للولايات المتحدة أن تتعاون مع تنظيم قسد.

ويمكن ذكر عدة أسباب رئيسية أدّت لانهيار قسد السريع ويمكن اعتباره الحتمي أيضاً:

  1. لا يمكن بناء خيارات كبرى أو بعيدة المدى على دور وظيفي لا بد أن ينتهي يوماً ما.
    لم تَخدع الولايات المتحدة تنظيم قسد بأنّ تعاونها معه لأهداف محددة وهي محاربة داعش، ولم تدعم أيّاً من توجهات قسد السياسية والإدارية، ولم تحاول فرضها كجهة سياسية لها أجندة وطنية في أيّ مسار سياسي قبل إسقاط نظام الأسد، بمعنى أنّ الولايات المتحدة بقيت أمينة لوعودها بأنه تنظيم عسكري فقط ولغاية محددة، وكان يمكن للولايات المتحدة فكّ الشراكة معه عند الإعلان عن القضاء على تنظيم داعش، لكن الفراغ الذي سيتم تركه سيملؤه تحالف نظام الأسد وروسيا وإيران، وبالتالي سيعلنون انتصارهم في سوريا، وهو ما لا يوافق التوجهات العليا للاستراتيجية الأمريكية…
  2. البروباغندا الإعلامية وهيجان الذباب الإلكتروني وكذب الكذبات الكبرى وتصديقها وبناء السياسات على تحليلات وتخيلات رغبوية لا تصنع واقعاً حقيقياً على الأرض، وقد ظهر ذلك حقيقياً بمدى الإفراط بالثقة بالنفس بل الغرور، بحيث تم رفض كل مخرجات العملية السياسية مع الحكومة السورية واختيار البدء بزمان ومكان المعركة في أحياء حلب، وكانوا واثقين من النصر فيها.
  3. صناعة يقين أنّ الكرد في المنطقة ضرورة دولية لإضعاف الدول الإقليمية وخلق متاعب لها، وزاد ذلك الاعتقاد رسوخاً العداء الواضح مع إيران والوجود الروسي في سوريا والخلافات العادية بين الغرب والولايات المتحدة من جهة مع تركيا من جهة ثانية.
    ظنّ تنظيم قسد أنه خنجراً مسموماً في الخاصرة التركية لتمزيق الجمهورية التركية، وأنّ الدعم الأمريكي استمر رغم انتهاء تنظيم داعش عملياً لتحقيق هذا الغرض المتخيل.
  4. الاعتقاد الراسخ لدى التنظيم أنّ تجربة سابقة في العراق بإنشاء إقليم كردستان العراق يمكن استنساخها في سوريا، متجاهلين اختلاف الظرف الدولي الذي أدى لولادة الإقليم، وأيضاً اختلاف المعطيات الديمغرافية والجغرافية التي توجد في شمال سوريا والعراق…
  5. قناعة تنظيم قسد بأنه يمكن بناء دويلة كردية في بيئة عربية بقوة السلاح والدعم الخارجي، وعدم الاهتمام بكسب الحاضنة الشعبية والاستقواء بدعمها، وتمسكه بالنموذج الخدمي الذي أرسته سياسات ذلك التنظيم.
  6. عدم إدراك التنظيم لأصول وبديهيات السياسة المحلية والدولية، وهو أثبت أنه مثل نظام الأسد لا يقبل أيّ إصلاح أو مشاركة، وهو إما أن يبقى على حاله أو يتلاشى عند أول تهديد خارجي.
    بعد توقيع اتفاق آذار، كانت خطة الرئيس الشرعي تجميع أوراق القوة في يده عسى أن يحسم الموضوع على طاولة المفاوضات دون اللجوء للحرب، فحقق إنجازاته السياسية على المستوى الخارجي والداخلي، وقامت وزارة الدفاع بتشكيل جيش احترافي من الفصائل الثورية، فيما ذهبت قيادة تنظيم قسد للاستثمار في أخطاء قد ترتكبها الحكومة وخلق متاعب في وجهها كدعم الفلول وتيار الهجري والنشاط عبر القنوات الإعلامية والذباب الإلكتروني لتشويه صورة الدولة، وكانت النتيجة أن تمكنت الدولة من امتلاك كل الأدوات التي تُمكّنها من الإطاحة بذلك التنظيم مع تأمين غطاء دولي لذلك…

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني