اعتراض على خيار الرئيس الشرع حول إعادة البناء بالاستثمارات

0

صرّح الرئيس أحمد الشرع في لقاء عام، خلال مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض يوم 28 تشرين الأول 2025، حسب ما نقلت الصحافة عنه، أنه اختار إعادة البناء والإعمار في سوريا من خلال الاستثمارات. وإذا كان ما نُقل عن الرئيس صحيحاً كقرار اقتصادي، فإن ذلك القرار غير مألوف في أدبيات إعادة الإعمار، بل سيكون محل اعتراض. واللوم يقع على مستشار الرئيس الذي اقترح عليه هذا الخيار.

وإذا كان المقصود من هذا الخيار هو ما فهمناه، فإنه يعني بصراحة التأخير في عملية إعادة الإعمار، وتركها عرضةً لتقلّبات السوق، بما يؤدي إلى فقدان البوصلة الاقتصادية والسياسية التي تعكس روح وثقافة الشعب السوري في حفاظه على مستقبله وهويته.

نأسف لأننا نعترض على خيار الرئيس، لكنني، بصفتي مواطناً في زمن دولة سوريا الحرة، أسجّل اعتراضي، وأعتذر من سيادة الرئيس عن معارضتي لهذه الاستراتيجية لسببين: الأول أنها تعني تخلّي الحكومة عن مسؤولياتها في إعادة الإعمار في ظل الدمار والفقر واللجوء.. والثاني أنها تعني تسليم مصير بيوت السوريين المهدّمة ومستقبلهم إلى مستثمرين جشعين لا يرون في الإعمار سوى فرصة للربح المالي.

وأحد أهم أسباب هذا الاعتراض هو تخلّي الحكومة عن مسؤوليتها السيادية والاقتصادية والاجتماعية تجاه واقع الدمار الذي يعيشه السوريون، وتركه لقوى السوق. ويمكن توضيح ذلك من خلال مسارين رئيسيين:

في المسار الأول، المتعلق بإعادة إعمار المساكن، نعرف أن التنمية الاقتصادية في أي بلد تقوم على الاستثمار، وهذا منطقي، إلا أن الحالة السورية مختلفة، لأن المستثمرين، كما هو معروف في منطق رأس المال، لن يبادروا إلى إعادة إعمار ملايين البيوت المهدّمة أو إعادة اللاجئين إليها من دون ضمان مردود مجزٍ لاستثماراتهم. وهذا يعني أن تلك البيوت قد تصبح تحت تصرف المستثمرين أو ملكيتهم، وأن المالك الأصلي قد لا يعود سوى مستأجر يدفع أقساطاً شهرية. فهل سيقبل الناس بهذه النتيجة؟.. إن هذه المهمة هي مسؤولية الحكومة، التي يفترض أن تساعد المواطنين على إعادة إعمار مساكنهم عبر المنح والهبات والقروض الميسّرة وغيرها من أدوات الدعم العام.

أما في المسار الثاني، المتعلق بإعادة إعمار البنية الأساسية، فإن ضخ استثمارات خارجية في هذه المرحلة، بعيداً عن مشاركة الدولة، لن يكون ممكناً بسبب غياب الاستقرار السياسي والأمني، وضعف البيئة التشريعية والإدارية بعد الدمار المؤسسي والبشري والعمراني. وهذه المهمة تقع حصراً على عاتق الحكومة الانتقالية السورية في البداية، باستخدام كل وسائل التمويل المتاحة، ليأتي لاحقاً دور الاستثمار لدفع عجلة النمو والتطور.

المرحلة الانتقالية، من اسمها، توحي بأن الحكومة يجب أن تكون بمثابة ورشة بناء وإعادة إعمار تحضّر للمستقبل. أما أن تُحمّل المأساة السورية على أكتاف المستثمرين وتُربط الآمال بلطفهم، فذلك لا يعني سوى الهروب من المسؤولية وتأجيل الحل.

الخيار الأصح هو أن تبادر الحكومة إلى وضع خطة وطنية شاملة لإعادة الإعمار بتمويل عام، وإذا قصّرت الحكومة لأي سبب، فليس ذلك مبرراً للجوء إلى السوق الخاصة المكلفة.. فحين تكون الخطة متناغمة مع طموحات الناس، سيأتي التمويل من مصادر حكومية ودولية تصب في الخزانة العامة، بتدبير رباني من حيث لا يُحتسب.

وسوريا، بواقعها السياسي والأمني الراهن، ليست مؤهلة لنظام الحكم الرئاسي الذي يجمع السلطة التنفيذية في يد شخص واحد، لأن ذلك يحمّل الرئيس مسؤوليات إدارية فوق مسؤولياته السياسية، ومن الحكمة، في المرحلة الانتقالية، أن تعمل الحكومة بشكل مستقل عن الرئاسة، كأنها شركة مقاولات تم تكليفها بإعادة إعمار البلد، بحيث يمكن مراقبتها ومحاسبتها على أي تقصير. وعندما تستقر الممارسة الديمقراطية وتترسخ المؤسسات، يمكن حينها التفكير بنظام الحكم الرئاسي، لا قبله.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني