اجتثاث الجذور

0

فَزَعَـاً هربا.. نجوا بنفسيهما وتركا كلّ شيء خلفهما. لم يسعفهما الوقت لحمل حقائب صغيرة.. ليس لديهما غير البطاقة الشخصية ودفتر العائلة. قيامة قامت.. القذائف تتوالى والناس، فراشات أفزعتها دبابير، يتراكضون دونما وجهة محددة.. همّ المرء أن يخرج من دائرة الخطر. حملهما شاب على دراجته النارية إلى الطريق العام وعاد…، أقلتهما حافلة إلى العاصمة ومنها قصدا مدينة البازلت في الجنوب…

بحثا عن فندق أو ملجأ… استقبلهما رجل في أواخر العقد الرابع.. رحّب بهما مهللاً. فتح وزوجه صدر بيتهما دون سؤال عن الاسم ومن أين.. اكتفيا بجملتين: نحن أخوة، والمكان يسعنا… فاطمأنت أم الحسن، وهدأت هواجسها، وتقلّصت مخاوفها. وتعارفوا: أبو الحسن له بنت هُجّرت وزوجها، وولدان ضحيتا اختفاء قسري لا يُعرَف مصيرهما…. أبو سعد عنده ولدان مهاجران…

تعاونا على زراعة الأرض، والعناية بأشجار التفاح، ولم يشعر أبو الحسن وامرأته أنهما غرباء عن القرية وأهلها، قال: “هنا.. على هذه التربة ولدنا من جديد…”.

عاشوا معاً في دعة وطمأنينة، لم يحسا بمرور الأيام والسنين، ولمّا ارتفعت الهتافات في الساحات “واحد واحد…، ارفع راسك فوق…” شاركا الشباب وقفتهم من أجل الحياة والكرامة في القرّ والحرّ إلى أن انحسرت الظلمة، وصفّقا معهم لفجر واعد…

لعبت الأيدي الخفية بالخيوط خلف الكواليس، وتأزّم الموقف وتفجّر … وأعيدت المسرحية بديكور مستحدث، وبممثلين بلون آخر، وبالأداء نفسه… فتكرّرت الفاجعة، وتمت الجريمة: دم…، وسحل…، وحرق…، وهدم … وفي خضمها، وعلى سفّودها شوي أخّان…، وقُوّض منزل…، وترمّلت أختان…

انتهت التمثيلية فتصافح المخرجون، وأغلقت صاحبة الجلالة الستارة، وأكملت مأساتهما، فصرمت لحمة حبل… وانتزعت أم الحسن من محيطها غصباً، ورحّلتها قسراً وهي تلوح وتصرخ لا تهجًروني ثانية… دعوني… فالأهل أهلي.. وهنا نبتُّ وغرستُ قلباً…

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني