إخفاق أمريكي في حسم المعركة لا بضربة قاضية ولا بالنقاط

0

لم يكن أحد يتوقّع اندلاعَ حربٍ أخرى بين الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران، حيث لم تُحقّق حرب الـ12 يوماً في حزيران أهدافها بنظر واشنطن وتل أبيب، رغم الادعاءات (التي لم تُقنع أحداً) بأنّ أهداف المعركة قد تحقّقت على لسان الرئيس ترامب ونتنياهو.

وفي فترة الهدنة استعدّ الطرفان للجولة الجديدة التي تم إطلاقها في آخر أيام شهر شباط الماضي.

على مدى العشرين عاماً الماضية كان الحلم الإسرائيلي هو جرّ الولايات المتحدة للصدام العسكري مع إيران، حيث لم تُفلح كل العقوبات والعزل الدبلوماسي في إعاقة البرامج النووية والصاروخية والإقليمية لنظام ولاية الفقيه..

على عكس إرادة اليمين الإسرائيلي الحاكم واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، والذي يشاركه نفس الأهداف، وصل الديمقراطيون الأمريكيون في عهد الرئيس أوباما إلى اتفاق مع نظام الملالي.

خرج الرئيس ترامب من الاتفاق في ولايته الأولى، وحاول الرئيس بايدن الوصول إلى ذات الاتفاق السابق وفشل في ذلك…

كانت حملة الرئيس ترامب للفوز في الانتخابات الرئاسية في جوهرها مبنية على إنهاء الحروب في العالم، خاصةً التي تكون الولايات المتحدة على علاقة بها، والانكفاء إلى الداخل الأمريكي، وعدم هدر الأموال في حروب أثبت الزمن أنها عبثية، خاصة أنّ التيار الأمريكي الواسع الداعم لحملة الرئيس ترامب هو تيار ماغا “أمريكا أولاً”، أو “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا”.

لم يُنفّذ الرئيس ترامب أيّاً من وعوده التي أطلقها في حملته الانتخابية سوى عملية الانسحاب الأمريكي من سوريا، والتخلي عن دعم شركائه المحليين من تنظيم ما كان يُعرف بقسد، وأنهت الولايات المتحدة كل علاقة لها في الملف السوري عسكرياً وسياسياً من جهة حماية المنظمة الانفصالية، الأمر الذي أدى إلى تبخرها وزوالها لاحقاً وفي فترة قصيرة.

لم ينجح الرئيس الأمريكي في وقف الحرب في أوكرانيا كما وعد، بل صبّ جام غضبه على حلفائه التقليديين الأوروبيين، ووبّخهم واستهان بهم علناً، وعندما قدّم نفسه كوسيط لإنهاء الحرب لم يقبل الرئيس الروسي به أيضاً…

واستمرت في عهده حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، بل صارت أكثر شراسة من ذي قبل، ولم يتمكن حتى الآن، رغم كل دعمه لنتنياهو، من تحقيق الانتصار على المقاومة في غزة.

يبدو أنّ النصر الهوليودي الذي حققه الرئيس الأمريكي في فنزويلا، وسيطرته على نفطها (لحد الآن)، هو ما سهّل على نتنياهو إقناع الرئيس ترامب باستنساخ تلك التجربة في إيران، والسيطرة على نفطها وغازها في ضربة قاضية تُطيح برأس الدولة والنخبة التي حوله، وبروز رودريغز إيراني تُقدّم فروض الطاعة للولايات المتحدة وتُسلم له البلاد وثرواتها. ويبدو أنّ التقارير التي تم إطلاع الرئيس الأمريكي عليها قد ضلّلته وورطته لاحقاً في هذه الحرب التي أطلق فيها رصاصته الأولى، لكنه تبيّن أنه لا يملك استراتيجية للخروج منها بعد استحالة تحقيق أهداف خوضها، وبدأ الرئيس ترامب ببناء آخر مدماك له في سردية النصر، حيث قال مؤخراً إن النظام الإيراني الذي دخل الحرب لإسقاطه قد سقط بالفعل، معتبراً أنّ قتل المرشد ومستشاريه والقيادات التي تم قتلها معه، أو حتى بمقتل وزير الاستخبارات وعلي لاريجاني وغيرهم لاحقاً، وأنّ من استلم مكانهم يختلف عنهم، وبالتالي استنتج واقتنع وأراد أن يقنع العالم أنه أسقط النظام الإيراني، وهو من أهم أسباب الحرب.

قد يكون الرئيس ترامب بنى كل استراتيجيته على قطع الرأس بالمعنى العام واستسلام النظام له، حيث إن الحرب الروسية الأوكرانية دخلت عامها الخامس ولم يتم اغتيال قادة كبار مؤثرين من الفريقين، ولو أنّ هتلر مثلاً ونخبته تم قتلهم لما اندلعت الحرب العالمية الثانية أساساً.

بدت الولايات المتحدة كبطل ملاكمة دخل سنّ الاعتزال ولم يعد بتلك القوة التي يحاول تثبيتها بسردية التفوق المطلق، حيث أضرّت إيران (وهي دولة متواضعة القدرات) بسمعة الولايات المتحدة، التي خاضت حروبها الأخيرة ضد منظمات ما دون الدولة أو العراق المهشّم المحاصر، ولم تُحقّق أيّ أهداف سياسية ولا حتى عسكرية، رغم كل التخريب والدمار الذي أحدثته في تلك البلاد.

فشلت الخطط الأمريكية المرتجلة في هزيمة إيران (ولو عسكرياً على الأقل)، والفشل الأدهى والأمرّ أنّ البحرية الأمريكية (الأسطورية) لم تتمكن من تأمين الملاحة في مضيق هرمز، وهو أهم شريان مائي في العالم، وطالت آثار إغلاقه ليس حلفاء الولايات المتحدة فحسب، بل وصلت إلى الداخل الأمريكي نفسه.

تُعتبر ضربة إغلاق مضيق هرمز ضربة كبيرة يراها البعض لا تقل عن ضربة بيرل هاربر التي نفذتها اليابان، وأدّت إلى دخول الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية..

حتى أنّ الولايات المتحدة وجدت نفسها بدون حلفاء عالمياً بعد فشلها في توريط آخرين بحربها على إيران، عندما فشلت في تشكيل تحالف (ولو رمزي) يُشرعن حربها على إيران.

المعركة الحقيقية تدور الآن في واشنطن مع إدارة الرئيس ترامب حول إقحامه الولايات المتحدة بحرب نتنياهو على إيران واستنزافه لموارد الشعب الأمريكي، والإخفاق قانونياً وأخلاقياً وعسكرياً وسياسياً في تبرير أسباب هذه الحرب الاختيارية، والتي قد تكون مؤشراً هاماً على بداية غروب شمس الإمبراطورية الأمريكية.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني