
أنتم الأعلون!…
وقع في الأسر…، يروي:
لم أدرِ كيف أحاطوا بي.. ارمِ سلاحك وارفع يديك واركع… نفذّت الأمر كأني في حلم. كبّلوني واقتادني اثنان في عربة إلى بيت من الحجر الأسود، وأدخلاني إلى غرفة فيها بضع جنود سبقوني إليها. دُهِشتُ لرؤيتهم يجلسون مطأطئي الرؤوس ويسندون ظهورهم إلى الجدران. قبعت في زاوية.. تجمّعت على نفسي، وأغمضت عيني واضعاً رأسي على ركبتي أتفكر بما سيحل بي، ورحت أستذكر صوت الدعوة إلى الفزعة يتعالى من المسجد، والشيخ الشيشاني بلحيته المهلهلة ترتفع عقيرته: إلى الجهاد يا أحباب الله.. هيّا إلى نصرته.. اليوم يومكم فلا ترحموا أولئك الخنازير.. اقتلوهم.. أبيدوهم عن بكرة أبيهم. اسبوا نساءهم، وعفّشوا بيوتهم، وأحرقوها، وأهدموها…، واشفوا النفس من أعدائه الذين يتربصون بكم الشرور. إن أرواحهم وأموالهم حلٌّ لكم.. القدس تناديكم فانصروها ينصركم جبار يشدّ من أزركم، ويجعلكم الأعلون…، ومَن يمت فسيكون شهيداً في جنان الخلد تستقبله فيها حوريات حسان… تطوّعتُ…، فاعترضت والدتي، أرجوكم ما يزال قاصراً…، وبّخها الشيخ وأسكتها برزمة دولارات، ووعدها: لك مثلها في كل غزوة…، وحمّلوني سلاحاً، ونقلوني في قافلة ساعات إلى القدس كما زعموا…
وتساءلت هل سيقتلوني أم يعذبوني بتقطيع أعضائي ثم يذبحوني؟ أيشوون لحمي أم يأكلونه نيّئاً؟ كنت أكاد أموت فزعاً عندما فتح شباب الباب وأخذوني إلى رجل، تبدو عليه سمات الوقار، يجلس خلف طاولة، وقالوا: هذا هو…، أمرهم بفكّ وثاقي، وأشار إلى كرسي أمامه فجلست وأنا أرتجف…
– لا تخف يا بني، هدّئ من روعك، هل أنت عطشان؟
– نعم، وشربت، فشعرت ببعض الراحة…
– ما اسمك…؟
– محمد…
– كم عمرك؟
– ستة عشر عاماً تقريباً
– من أي قبيلة؟
– من العـ….
– مَن جنّدك…؟
– الشيخ… ورجال آخرون…
– وهل أعطوك أجراً؟
– مئة وخمسون دولاراً
– ودرّبوك على القتال؟
– لا…، لا وقت للتدريب…
– أتعرف الذين فزعتم لقتلهم؟
– قال الشيخ كفار وزنادقة…
– وإلى أين وجّهوكم؟
– إلى القدس…
– أتخمّن أين أنت الآن؟
– لا…، لكني أراكم تتكلمون مثلنا، وبلساننا…
– نحن عرب…، وإخوة لكم، ومَن غرّروا بكم حاقدون علينا وعليكم…
– أتعرفهم يا سيدي؟
– أجل، هؤلاء جاؤوا من عمق التاريخ… ومن قلب الجهل والتعصب ليقضوا على الحضارة، وعلى جميع الذين يخالفونهم خدمة لمَن يحتل القدس، ألديك أمٌّ…؟
– نعم، وإخوة صغار بكوا كثيراً وأنا أودعهم.
– وما مصيرك الآن؟ أتعلم ماذا سنفعل بك؟
– أتشنقوني أم ترموني بالرصاص؟ ربما ستقطّعون أعضائي وتطعمون الكلاب بها. وأحنيت رأسي وارتفعت يداي تمسح دموعاً تساقطت…
– اهدأ، واطمئن يا صغيري.. ستكون بخير وسلام.. نحن لا نعتدي على غيرنا.. نكره الحرب، ولا نريد الموت لأحد، ونحب الحياة ونحافظ عليها.. أنتَ لستَ عدواً لنا، وسنبادلك بأول دفعة لتعود إلى أهلك سالماً معافى.. ألديكم هاتف لتطمئنّ والدتُك عليك؟
– لا، ووقفتُ قاصداً تقبيل يده فسحبها بسرعة وربّت على كتفي بحنوّ وهو يقول: يا ولدي، إيّاكَ أن تفعلها لغير والديك…