
أزمة السويداء وتحويل التحديات والمخاطر إلى فرص
كان متوقعاً تمرّد الهجري في السويداء ولم يُشكّل أيّ مفاجأة (لأنه بنى موقفه وسرديته على إفشال أيّ مسعى لملاقاة الأيدي الممدودة له من القيادة)، سوى بكمية العنف الهائلة التي مارسها رجاله على المدنيين وقوات الدولة لأنهم ينتمون إلى لون واحد، كما أنّ مستوى وطبيعة الارتهان للكيان الإسرائيلي كان يُظنّ أنه في درجات أقلّ، حتى إنّ درجة الوقاحة بلغت مداها في إظهار العمالة والاستقواء بالعدو الإسرائيلي.
ولن يكون صعباً إدراك أنّ قيادة الهجري لفئة من الدروز في هذه المرحلة ستكون تاريخية وستترك آثارها وتداعياتها على كلّ الطائفة، ليس في سوريا وحسب، بل في علاقة الطائفة مع المسلمين في الشرق الأوسط والعالم كله، بمعنى تقديم الدروز كعدوّ للمسلمين، ليس بسبب خلاف سياسي مع حكومة دمشق يتضمن مطالب بمشاركة أوسع للدروز في مؤسسات الدولة والحصول على مغانم من تركة الأسد، بل لأنّ إظهار الوجه الطائفي المقيت كان واضحاً أثناء ارتكاب المجازر بحق المدنيين الأبرياء وقوات الحكومة.
ويُعتبر ساذجاً من يظنّ أنه من الممكن أن يتحالف مع الكيان الإسرائيلي، ولا يشفع له الاعتقاد بأنّ الدروز في الكيان لهم وضعية خاصة وامتيازات، ويغيب عن تفكير البعض لماذا هذه الخصوصية، مع أنّ الدروز عرب أولاً وأخيراً، وأعداء الكيان هم العرب عموماً. ولأنّ الكيان فقير في الموارد البشرية اليهودية، فإنه بحاجة لمن يرضى بالاستزلام له لتنفيذ الأعمال القذرة وتخفيف الخسائر البشرية من اليهود في صفوف قواته، حيث إنّ إسرائيل في حالة حرب دائمة منذ وعد بلفور وستبقى كذلك، لأنها كيان محتلّ ولم يجد طريقة للتصالح مع العرب السنّة في فلسطين والمنطقة.
بمعنى أنه واهم من يعتقد أنّ الدروز يمكن أن يكونوا حلفاء لليهود، وليسوا سوى أداة أو ورقة سيتم رميها عندما تنتفي الحاجة لها، فالديانة اليهودية والمذهب الدرزي منغلقان ولا يقبلان بالانفتاح على الآخر، وعندهما عقدة الأمن والمحافظة على البقاء من الخطر المحدق بهما من الآخر، كما أنّ المجموعات المنغلقة دينياً تملك سرديتها التي نشأت على أساسها، وهي أنها الفرقة الناجية الوحيدة، وهي من تحتكر الحقيقة لوحدها، ولا تسمح لغيرها بالدخول إليها للاستفادة من تلك المنحة الإلهية.
ومشروع الهجري الانفصالي (المقنّع)، والذي لا يملك أيّ أسس موضوعية لتبريره، فجبل العرب موجود في منطقة نائية من سوريا تفتقر إلى أبسط الموارد ليعيل نفسه، ولا يتمتع الجبل بأيّ موقع استراتيجي مميز، بمعنى أنّ الجبل يعتمد في معاشه على المحافظات السورية الأخرى بالزراعة والصناعة والخدمات. واقتصاد الجبل كله هو 100 طن تفاح و100 طن عنب فقط…
لذلك، فإنّ هذا الإصرار على الانفصال والارتماء تحت أقدام الإسرائيلي لا يمكن تفسيره إلا برفض حكم العرب السنّة لسوريا، والسعي للخروج من ذلك الحكم مهما بلغت درجات الخطورة.
أما طرح الحجج من رجل دين لإقامة دولة علمانية ديمقراطية، فهو لا يُقنع أحداً، وهو تقيّة لإخفاء مطالبه الحقيقية، فمشايخ عقل الدروز لا يمكن لهم القبول بأبسط حقوق الفرد في دولة المواطنين، ومنها الزواج المدني، والذي يبيح للمرأة الدرزية الزواج من رجل غير درزي.
لم تحصل في التاريخ السوري أن يطلب سوري من الكيان الإسرائيلي الاعتداء على بلده نصرةً له، وسيلحق كلّ العار بهذا الرجل الذي فعل ذلك على الملأ.
سكتت أصوات الرصاص مؤقتاً، ولم تُحلّ الأزمة التي افتعلها الهجري، وتلك المعركة بين الوطن السوري وعصابة الهجري التي استمرت لأيام سنحتاج لعشرات السنين لمحو آثارها، فتلك المذابح التي قامت بها عصابة الهجري، والردّ الانفعالي من البعض عليها والذي أخذ بُعداً طائفياً، تحتاج عقوداً لمحوها من ذاكرة السوريين…
ورغم الجراح المادية والمعنوية التي أحدثها الهجري وعصابته، إلا أننا ينبغي علينا أخذ العِبَر منها لتوظيف نتائجها، وعدم الوقوع بمطبّات مشابهة وتداركها وتحويل التحديات إلى فرص، ومنها:
1- لا يحقّ لغير الدولة السورية التواصل مع الكيان الإسرائيلي، لأنّ اتصال الأفراد أو المكونات بها يندرج تحت فصل الخيانة العظمى، وتتوجّب حينها المساءلة وفقاً لقانون العقوبات السوري الصادر عام 1949.
2- يجب على الحكومة توسيع دائرة الحوار والمشاركة لكل مكونات الشعب السوري في المرحلة الانتقالية الحرجة.
3- ليس الخلاف مع دروز السويداء فهم مكوّن أصيل من الشعب السوري، بل مع دروز الهجري الخارجين على القانون…
4- الدولة ليست طرفاً في أيّ حوار، إنما هي الراعي له، فهي الأمّ لكل مكونات الشعب السوري.
5- حصر السلاح بيد الدولة خطّ أحمر، فلا استقواء به على الدولة لفرض شروط أو لتحقيق أجندات خارجية.
6- الحوار المثمر يكون تحت سقف الدولة، وليس عليها.
7- في المرحلة الانتقالية يمكن تجريب كلّ الرؤى والتوجهات لاكتشاف مدى نجاعتها عندما تُطبّق على الأرض وتخرج من إطارها النظري إلى الواقع العملي.
8- في المرحلة الانتقالية، والتي يُنظّمها إعلان دستوري، لا يجوز طرح المواضيع الخلافية لأنها تزيد الهوّة بين المتحاورين وتترك أثرها على الحواضن المجتمعية، إنما يُكتفى برفع توصيات ومقترحات لتضمينها في الدستور الدائم المقبل.
9- فزعة العشائر العربية اكتشاف مهم في أزمة السويداء، ويجب تطوير الحالة وقوننتها إلى حين انتهاء المرحلة الانتقالية والانتهاء من توحيد سوريا.
10- خلال الأزمة ظهر واضحاً الدعم الشعبي للقيادة السورية، وظهر أيضاً الدعم الإقليمي الكبير. الدعم السياسي العربي والاقتصادي، والذي تُشكّل السعودية رأس حربته، تمّ التعبير عنه بمؤتمر الاستثمار السعودي السوري، كما أنّ الدعم السياسي والعسكري والأمني التركي لا يُمكن حجبه بغربال…
إنّ تحويل المخاطر إلى فرص هو السبيل لربّان السفينة السورية في العبور بها إلى شاطئ الأمان.