آفاق التفاهم بين دمشق وتل أبيب في ضوء الدور القيادي الأمريكي والتوازنات الإقليمية الجديدة

0

مقدمة

بعد التحولات الكبرى في سوريا بما في ذلك سقوط نظام بشار الأسد وانسحاب إيران من الساحة السورية وتراجع الحضور الروسي دخلت البلاد مرحلة جديدة تتسم بتبدل في موازين القوى ومصادر القرار وفي ظل الرعاية الأمريكية المباشرة للمشهد السوري تبرز أسئلة محورية حول طبيعة العلاقة الممكنة بين دمشق وتل أبيب وإلى أي مدى يمكن أن تشهد تفاهمات مستقبلية خاصة في ظل تبلور مقاربة إقليمية جديدة تشمل تركيا كفاعل رئيسي في معادلات ما بعد الحرب

أولاً: المشهد السوري ما بعد الأسد مقاربة مختلفة وواقعية

أحدث التغيير في القيادة السورية قطيعة واضحة مع ماضي الممانعة والشعارات المؤدلجة فالحكومة الجديدة التي جاءت في إطار توافق دولي تسعى إلى ترسيخ الاستقرار الداخلي وإعادة بناء مؤسسات الدولة المنهارة والانخراط في ترتيبات سياسية وأمنية تفتح الباب أمام استعادة السيادة تدريجياً

وفي هذا السياق يُنظر إلى التفاهم مع إسرائيل ليس كمشروع تطبيع بحد ذاته بل كجزء من استراتيجية شاملة لإنهاء العزلة وتأمين الحدود وفتح آفاق إعادة الإعمار بإشراف أمريكي ومشاركة إقليمية متزنة

ثانياً: الدور القيادي الأمريكي إعادة رسم الخرائط لا فرضها

تقوم واشنطن اليوم بدور قيادي لا يُختزل في الهيمنة بل يشمل الإشراف على ترتيبات إقليمية دقيقة تهدف إلى:

  • ضمان الاستقرار في جنوب سوريا ومنع أي تصعيد تجاه إسرائيل
  • احتواء تداعيات النفوذ الإيراني السابق ومنع عودته
  • خلق بيئة سياسية تسمح باندماج سوريا الجديدة في النظام الإقليمي

وفي هذا الإطار تعتبر واشنطن الطرف الأهم في إدارة أي تفاهمات سوريةإسرائيلية سواء من الناحية الأمنية أو السياسية لكن ضمن توازنات تراعي حساسية الداخل السوري ودور الأطراف الإقليمية وعلى رأسها تركيا

ثالثاً: تركيا من منافس إلى شريك محتمل في هندسة المستقبل السوري

لا يمكن الحديث عن الترتيبات الجديدة في سوريا دون التوقف عند الدور التركي الذي بقي فاعلاً طوال سنوات الحرب سواء عبر دعمه للمعارضة أو من خلال انتشاره العسكري في الشمال السوري

اليوم ومع تغير المعادلات تتحول تركيا إلى لاعب سياسي ضمن ترتيبات ما بعد الصراع حيث:

  • تسعى للحفاظ على نفوذها في سوريا كجزء من توازن إقليمي
  • تنسق مع واشنطن حول مستقبل التواجد الكردي والحدود
  • تراقب بحذر أي انفتاح سوري – إسرائيلي خشية أن يتم على حساب مصالحها أو نفوذها

ومع ذلك، فإن تركيا في ظل تقاطع المصالح مع أمريكا وإسرائيل حول الحد من النفوذ الإيراني قد تجد في التفاهمات الجديدة فرصة لإعادة تطبيع العلاقة مع دمشق الجديدة ضمن صفقة إقليمية أوسع

رابعاً: القيادة السورية الجديدة أولويات جديدة في سياق دولي مختلف

تركز القيادة الجديدة في دمشق على:

  • تثبيت الأمن الداخلي واستعادة السيطرة الإدارية
  • الحصول على الاعتراف الدولي وتطبيع العلاقات
  • فتح مسارات اقتصادية وتنموية بدعم دولي

وفي هذا الإطار قد تنظر إلى التفاهمات مع إسرائيل برعاية أمريكية كجزء من صفقة شاملة تتضمن:

  • ضمان أمن الحدود الجنوبية
  • خطوات متدرجة نحو تسوية ملف الجولان برعاية دولية
  • استقطاب الدعم المالي والتنموي خصوصاً من الغرب والخليج

خامساً: إسرائيل الأمن أولاً دون الحاجة إلى تطبيع معلن

بالنسبة لإسرائيل فإن المعادلة الجديدة في سوريا تمثل فرصة لإغلاق جبهة الجنوب بلا حرب عبر:

  • الحفاظ على أمن الحدود
  • التأكد من خلو الجنوب السوري من أي نفوذ معاد
  • ضمان دور أمريكي مباشر في مراقبة أي تفاهمات

ولا تطالب تل أبيب بالضرورة باتفاق سلام شامل أو تطبيع علني بل تسعى لتفاهمات أمنية متينة وهدوء طويل الأمد مع إمكانية تطوير العلاقة لاحقاً في حال أثبتت القيادة السورية الجديدة جديتها واستقلاليتها عن أي أجندات عدائية

خاتمة: تفاهمات ممكنة ولكن مشروطة بتوازنات داخلية وإقليمية

إن احتمالات التفاهم بين دمشق وتل أبيب باتت واقعية أكثر من أي وقت مضى لكنها تبقى رهينة شروط أساسية:

  • أن تتم تحت رعاية أمريكية مباشرة ضمن مشروع إقليمي لا يستفز الداخل السوري.
  • أن تأخذ بعين الاعتبار الدور التركي ومصالحه الحدودية
  • أن تراعي حساسية ملف الجولان ومطالب السيادة السورية
  • أن تتجنب المسارات التطبيعية الصريحة حفاظاً على التوازن الداخلي

إنها لحظة دقيقة تشهد إعادة رسم خرائط النفوذ والتحالفات وفي هذا السياق يمكن للتفاهمات السورية – الإسرائيلية أن تكون بوابة لاستقرار طويل الأمد إذا ما أُديرت بحكمة وضمن معادلة توازن دقيقة بين الداخل والخارج.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني