بين الاندماج والدستور: من تفكيك الصراع إلى بناء الدولة

0 22

لا يتحقق الاستقرار في الدول الخارجة من الصراعات بمجرد وقف الحرب أو جمع السلاح، بل ببناء نظام سياسي ومؤسسي يشعر فيه الجميع بأنهم شركاء في الدولة، وأن حقوقهم مصونة بالدستور والقانون، لا بتوازنات القوة أو بتفاهمات مؤقتة بين الأطراف المتنازعة.

الاندماج لا يعني إذابة الهويات أو إخضاع المكونات لسلطة واحدة، بل إشراكها في دولة واحدة على أساس المواطنة المتساوية. وهو عملية متعددة المستويات: تبدأ بالاندماج الأمني والعسكري الذي ينهي استقلال التشكيلات المسلحة ويخضع السلاح لمؤسسات وطنية موحدة، مهنية وخاضعة للقانون والرقابة المدنية، بعيداً عن الولاءات الشخصية أو الفئوية. وتنتهي بالاندماج السياسي المتمثل بتحويل القوى التي تقبل العمل السلمي إلى أحزاب وتنظيمات سياسية، تملك حق المشاركة والمنافسة والتعبير عن مصالح جمهورها ضمن نظام ديمقراطي حقيقي.

ويعتبر عنه بالاندماج الاجتماعي والثقافي والاعتراف بالتنوع القومي واللغوي والثقافي والمناطقي، وضمان حرية التعبير والتنظيم والمشاركة المحلية، من دون فرض هوية أحادية على المجتمع.

لكن الاندماج وحده لا يكفي؛ فقد يتحول إلى وسيلة للاستيعاب القسري إذا لم تتغير قواعد الحكم نفسها. وهنا يأتي الدستور بوصفه الضمانة التي تنقل التوافقات من دائرة الوعود السياسية إلى دائرة الحقوق الملزمة والمؤسسات المستقلة، الدستور الذي يحمي الحقوق والحريات، وقضاءٌ مستقلٌ، وتوزيعٌ واضحٌ للصلاحيات، ولا مركزية تتيح مشاركة المناطق في إدارة شؤونها، وآليات تمنع استئثار الأغلبية بالسلطة أو استخدامها لإقصاء الآخرين. وهذا يتطلب قناعة بالديمقراطية كنظام حكم يبرز أهمية الجمهورية التشاركية، التي لا تكتفي بالانتخابات، بل تضمن المشاركة الفعلية، والتعددية السياسية، وتداول السلطة، واستقلال المؤسسات، والمساواة أمام القانون. كما يمكن اعتماد ضمانات دستورية خاصة للمسائل المصيرية، مثل اشتراط أغلبيات معززة لتعديل مواد أساسية، ووجود غرفة ثانية تمثل المناطق أو المكونات، شريطة ألا تتحول هذه الآليات إلى أدوات تعطيل دائم أو تكريس للانقسام.

والإضافة الأساسية هنا هي ضرورة التمييز بين الاندماج في الدولة والاندماج في السلطة الحاكمة. فإدخال الفصائل المسلحة في أجهزة الدولة لا يحقق الاندماج الحقيقي إذا بقيت هذه الأجهزة خاضعة لقيادة سياسية واحدة، أو ظلت الولاءات الفئوية والشخصية تتحكم فيها. المطلوب هو بناء مؤسسات وطنية مهنية، تقوم على معايير واضحة، وتخضع للمساءلة والرقابة، ولا تتحول إلى امتداد لفصيل أو حزب أو جماعة.

كذلك، فإن تحويل القوى المسلحة إلى أحزاب لا يكفي ما لم تتوفر حرية التنظيم والعمل السياسي، ومنافسة حقيقية، وإمكانية تداول السلطة، وضمانات ضد الاعتقال التعسفي والإقصاء السياسي. فالاندماج السياسي ليس مجرد السماح للآخرين بالحضور، بل الاعتراف بحقهم في المشاركة والتأثير وتغيير السياسات عبر الوسائل الديمقراطية.

ولا يمكن بناء سلام مستدام من دون العدالة والمساءلة. فالتسوية السياسية لا تعني نسيان الانتهاكات أو منح حصانة جماعية، كما أن المحاسبة لا ينبغي أن تتحول إلى عقاب جماعي أو إقصاء على أساس الهوية والانتماء. المطلوب مساءلة فردية عادلة، وجبر للضرر، وضمانات تمنع تكرار الانتهاكات، بما يحقق التوازن بين العدالة والاستقرار.

وفي الحالة السورية، يتمثل التحدي في الانتقال من تعدد مراكز القوة والسلاح والولاء إلى دولة واحدة، من دون أن تتحول وحدة الدولة إلى احتكار للسلطة، أو يتحول الاعتراف بالتنوع إلى تقسيم دائم للمجتمع. وهذا يقتضي دولة تحتكر استخدام القوة المشروعة، لكنها لا تحتكر السياسة؛ ودستوراً يحمي وحدة البلاد من دون فرض التشابه على مكوناتها؛ وديمقراطية تتيح للأغلبية الحكم من دون أن تمنحها حق إلغاء الآخرين. وبهذا يصبح الاندماج هو بناء المشاركة، والدستور هو حماية هذه المشاركة من التقلبات السياسية وموازين القوة. ولا تنجح العملية إلا باجتماعهما مع إصلاح المؤسسات، وسيادة القانون، والعدالة، والمواطنة المتساوية.

فالدولة المستدامة ليست التي تُخضع الجميع لمركز واحد، بل التي تجعل الجميع شركاء في نظام مشترك، وتحوّل التنوع من مصدر للصراع إلى أساس للتعددية السياسية والاجتماعية.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني