
القانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان والحوار الفلسطيني المطلوب
بعد عملية السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، التي تضمنت جرائم ضد مدنيين إسرائيليين، تعرض من رفضها لحملات كراهية نظمتها شبكات متطرفة لأسباب سياسية، تضمنت تشهيراً ووصلت إلى الشتم والتعرض للأعراض والتخوين.. وخلال ما يقارب ثلاثة أعوام استطاع، بفرادة، أعضاء من تنظيم فتح في قطاع غزة مقاومة هذه الحملات عبر آلية التضامن بينهم، بينما وجد من لم تكن لديه آليات حماية نفسه تحت ضغط إرهاب مكثف، ونادراً ما استطاع الصمود والاستمرار في التعبير عن رأيه.
وفي الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر 2023، مستفيدين من تصريح رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية، قال فيه: “نحن مستعدون للدخول في مفاوضات سياسية تقود إلى حل الدولتين، على أن تكون القدس عاصمة للدولة الفلسطينية” (مصادر، 1–3 تشرين الثاني/نوفمبر 2023)، قمنا بإصدار عريضة حاولنا من خلالها الإشارة إلى طريق يجنب المدنيين في قطاع غزة المحرقة، ويجنب عموم الشعب الفلسطيني وقضيته الضرر، وورد في البيان:
تستمر حرب إسرائيل الدموية على الشعب الفلسطيني بعنوان “حق الرد”. وقد ظهر سريعاً أننا لسنا إزاء عملية محدودة لملاحقة تنظيم فلسطيني، بل إزاء عملية تطهير عرقي جديدة، استكمالاً للتطهير العرقي للفلسطينيين الذي بدأ عام 1947، وعرف عدة محطات. وهو ما نرفع الصوت، مع كل تلك الجموع التي تظاهرت حول العالم، مطالبين بوقفه فوراً؛ وفرض الحماية الدولية على المدنيين الفلسطينيين؛ وفرض عملية سلام جدية مع منظمة التحرير الفلسطينية، بناء على القرارات الدولية بخصوص القضية الفلسطينية والتي كان أولها عام 1947، واستمرت إسرائيل بتجاهلها لعقود.
وإذا أعلنت حركة حماس عن التزامها السلام والتعايش، وتحديد مطالبها بدولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس، وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، التحاقاً بمسار منظمة التحرير المكثف بوثيقة إعلان الاستقلال (الجزائر 1988)، انهارت ذريعة الحرب، بل وذريعة حصار قطاع غزة من أصله. ونطالب المجتمع الدولي بعدم تجاهل هذا التطور؛ فعدم التفاعل معه سيكون تورطاً بإتاحة الفرصة للعدوان الإسرائيلي بتحقيق التطهير العرقي.
أما إذا كانت الذريعة الانتهاك الذي قامت به حماس ضد المدنيين الإسرائيليين في عمليتها في 7 أكتوبر الماضي، فإننا نقترح، بعد وقف الحرب وتنفيذ مطالبنا، تقديم حماس مع إسرائيل إلى محكمة الجنايات الدولية، هي عن هذا الانتهاك، وإسرائيل عن احتلال أرض الغير، وممارسة التطهير العرقي بحقهم، وكل جرائمها عبر ثمانية عقود.
ومن الواضح أن البيان انطلق من أن ما يجري في واقع الحال هو استمرار للتطهير العرقي الصهيوني للشعب الفلسطيني، الذي بدأ عام 1947، وأن جريمة سبعة أكتوبر أتاحت لإسرائيل حجة لمحطة جديدة منه راحت تقدمها بوصفها حرباً دفاعية. وهو، إذ ينطلق من ذلك، يفكك حجج الحرب إلى عناصرها، فيشير إلى إعلان إسماعيل هنية المذكور عن استعداد حركة حماس للدخول في مفاوضات سياسية تقود إلى حل الدولتين، بما يعني عملياً التحاقها ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية المكثف بوثيقة إعلان الاستقلال، وهو ما يسقط ذريعة إسرائيل برفض الفلسطينيين السلام؛ ثم يطالب المجتمع الدولي بعدم تجاهل هذا المستجد، وبتقييد إسرائيل ومنعها من استكمال التطهير العرقي، ويطالبه بإحالة جرائم إسرائيل بحق الفلسطينيين، الممتدة منذ عام 1947، وجريمة حماس ضد المدنيين في سبعة أكتوبر، بعد تنفيذ مطالب العريضة، إلى القضاء الدولي للاحتكام إليه. إلا أن كل ذلك لم يشفع لأصحاب العريضة عند من أطلقوا حملة الكراهية ضدهم. فما الذي احتجوا به؟
قالوا إن أصحاب العريضة يطالبون بمحاكمة “المقاومة”، وإنهم يساوون بين الضحية والجلاد، عداك عمن هاجم القانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان اللذين تحتكم إليهما العريضة، وأعلن النصر المؤزر على الاحتلال، ولربما رأى أن كتاب العريضة يريدون رده عن نصره.
والحق أن القائمين على حملة الكراهية أصابوا في تحديد موضوع الخلاف؛ فالعريضة تقول ما هو أكثر من أن سبعة أكتوبر هزيمة، إذ تقول إن هناك تطهيراً عرقياً قد بدأ، وهو يجد في الجريمة ضد المدنيين الإسرائيليين التي ارتكبت في ذلك اليوم، وفي خطاب حركة حماس المتطرف، حجته السياسية، ويقدم نفسه بوصفه عملية دفاعية في مواجهة إبادة يدعي أن الفلسطينيين يهددون بها المدنيين اليهود الإسرائيليين. وتقول العريضة أيضاً إن القانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان هما المرجعية التي يستطيع الفلسطيني، بالاحتكام إليها، مواجهة التطهير العرقي والإبادة، وأنهما يتيحان للشعب الفلسطيني تبيان أن حقوقه مصانة بصرف النظر عن مقدار القوة التي يمتلكها لفرضها.
فقول العريضة إننا إزاء دولة احتلال تمارس التطهير العرقي بحق شعب واقع تحت الاحتلال، يحدد طبيعة العلاقة السياسية والتاريخية والقانونية بين الطرفين، بما في ذلك تحديد القواعد القانونية لمسؤولية الأفراد والجماعات عن الأفعال التي يرتكبونها. وبذلك تقول العريضة إن حقيقة الاحتلال وحقوق الشعب الفلسطيني تبقى قائمة حين يرتكب فلسطيني جريمة، كما تبقى الجريمة جريمة حين يرتكبها فلسطيني ينتمي إلى شعب واقع تحت الاحتلال. وعدالة القضية الفلسطينية، استناداً إلى هذه المرجعية القانونية، تتأسس على حقوق الفلسطينيين، ومن بينها حقهم في تقرير المصير، كما تتأسس حقوق الفرد على إنسانيته، بصرف النظر عن الجماعة التي ينتمي إليها. ويكتسب فهم عالمية هذه القاعدة أهمية سياسية مباشرة للفلسطينيين؛ فالقاعدة التي تحمي المدني الفلسطيني من تحويله إلى هدف بسبب انتمائه، أو بسبب الفعل الذي تقوم به حماس، هي ذاتها التي تحمي المدني الإسرائيلي بسبب انتمائه، أو بسبب ما تقوم به دولة إسرائيل. وإخضاع الفرد لمسؤولية الجماعة التي ينتمي إليها يفتح الباب لتحميل سكان غزة المدنيين مسؤولية أفعال حماس، مثلما يفتح الباب لتحميل المدني الإسرائيلي مسؤولية أفعال دولة الاحتلال، بينما تمنح عالمية الحقوق كلاً منهما حماية مستقلة عن أفعال السلطة أو التنظيم الذي ينسب إليه.
وهكذا كان الاحتكام إلى القانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان في العريضة ينطلق من الاعتقاد بهما وبالمبادئ التي قاما عليها، ومن قناعة بأنه لا غنى عنهما، على الصعيد العملي، لضبط استخدام القوة وتنظيم العلاقات والمنازعات على الصعيد الدولي، بما في ذلك ضبط تغول الدول التي لديها فرط قوة في مواجهة ضحاياها. وهو ما يعني على صعيد الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، حيث الطرف الفلسطيني هو الأضعف في ميزان القوة العسكرية مع الاحتلال دون وجه للمقارنة، أن القانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان والمؤسسات الدولية التي تتقيد بهما هي أهم المرجعيات والأدوات المتاحة له، وللمتعاطفين معه، للضغط من خلالها من أجل لجم قوة الاحتلال المفرطة وحماية الشعب الفلسطيني. فحق الفلسطيني في تقرير المصير، وحقه في أرضه، وحقه في الحياة وعدم التهجير، وحظر العقاب الجماعي والاستيلاء على الأرض بالقوة، جميعها حقوق وقواعد مقررة ومصانة في هذه المرجعية القانونية، التي تجعل الحق سابقاً على قدرة صاحبه على فرضه، وتنظم استخدام القوة وتضع عليه قيوداً على الصعيد الدولي، من دون أن يعني حصول خرق لهذه القيود انتفاءها أو انتفاء النظام القانوني والمؤسسات القائمة عليها. ويستند هذا الفهم للقانون الدولي إلى تصور راسخ لوظيفته في النظرية القانونية الدولية، يقوم على أن القانون ينظم العلاقات والمنازعات بين الدول، ويضبط استخدام القوة، ويحدد الحقوق والالتزامات والمسؤوليات، ويحمل المؤسسات والآليات التي تتيح الفصل في المنازعات والمساءلة عن خرق قواعده. وتظهر فاعلية النظام القانوني في تنظيم جانب واسع من العلاقات الدولية وإخضاعها لقواعد معلومة، وتظل القاعدة القانونية قائمة عند انتهاكها، ويكتسب الخرق وصفه خرقاً للقانون بالقياس إليها، مثلما يحدد القانون داخل الدولة الجريمة وينظم المسؤولية عنها حين تقع.
وبناء على هذا التفكير، كنا نعتقد عند كتابة العريضة أن أي مقاومة عاقلة، تضع حقوق شعبها ومصالحه في مركز حساباتها، كانت ستجد في نقل المواجهة مع دولة الاحتلال إلى القضاء الدولي أفضل الخيارات المتاحة لها؛ إذ تنقل الصراع إلى ميدان تصبح فيه حقوق الشعب الفلسطيني والاحتلال والتهجير والاستيطان والتطهير العرقي وجرائم الحرب موضوع المواجهة، وتضع إسرائيل أمام المساءلة عن أفعالها، وتوفر على الشعب الفلسطيني ضريبة الدم والدمار والنزوح والجوع وفقدان البيوت والممتلكات وغيرها من الأهوال. وكانت المحاكم الدولية، في تصورنا، الميدان الذي نفضله للمقاومة، ففيها يتمتع الشعب الفلسطيني بميزة يفتقدها في المواجهة العسكرية مع دولة تتفوق عليه تفوقاً ساحقاً في القوة والموارد وتحظى بحماية دول عظمى. ومن هنا جاءت دعوتنا في العريضة إلى إحالة الجرائم إلى القضاء الدولي جزءاً من تصورنا للمقاومة، وللوسائل الأجدى في تحقيق غاياتها وحماية المجتمع الذي تقاوم باسمه؛ فعالمية القاعدة القانونية وشمولها هما اللذان يمنحان الفلسطيني الحق في المطالبة بتطبيقها على المسؤولين الإسرائيليين عن الجرائم الممتدة منذ ما قبل النكبة.
واليوم يتيح لنا مرور الوقت، وانكشاف حجم الكارثة التي أتاحتها عملية سبعة أكتوبر، وما ترتب عليها من آثار سياسية، أن نعود إلى ما قالته تلك العريضة في أيام الحرب الأولى، وأن ننظر في موضوع الخلاف نفسه بعد أن باتت لدينا وقائع لم تكن متاحة حينذاك. ومن ذلك رفع جنوب أفريقيا، بدعم من دول تشاركها الدفاع عن حقوق الشعوب والمطالبة بحمايتها، قضية على إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها (محكمة العدل الدولية، 29 كانون الأول/ديسمبر 2023). وبعد أقل من أسبوعين رحبت حركة حماس بهذه الخطوة، فوصف القيادي فيها أسامة حمدان موقف جنوب أفريقيا بأنه “تاريخي وشجاع ومشرف”، وطالب المحكمة بعدم الاستسلام للضغوط (يورونيوز، 10 كانون الثاني/يناير 2024). وبعد ذلك عبر القيادي المعتدل في الحركة موسى أبو مرزوق عن “الامتنان والشكر والتقدير لجنوب أفريقيا ورئيسها سيريل رامافوزا” على موقفها، في سياق حديثه عن القضية (الشروق، 19 كانون الثاني/يناير 2024)، ثم ذهب أبعد من مجرد تأييد مقاضاة إسرائيل، ففي إفادة قانونية لاحقة لأبي مرزوق، قدمت ضمن طلب رفع حظر حماس في بريطانيا، أعلن استعداد الحركة، إذا وقع خروج عن تعليماتها بعدم استهداف النساء والأطفال والمسنين، للتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية ومع أي طرف ثالث محايد في تحقيق مستقل وشفاف في أحداث سبعة أكتوبر (ميديا ريفيو نتورك، 9 نيسان/أبريل 2025). وبذلك انتقل الموقف من الترحيب بالاحتكام إلى القضاء الدولي في مواجهة إسرائيل، إلى قبول التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية في تحقيق يتناول أحداث سبعة أكتوبر نفسها، بما في ذلك قبول قادة من حركة حماس نفسها بمبدأ الاحتكام إلى القانون الدولي والقضاء القائم عليه؛ وهو ما ينسجم مع منطق عريضتنا ومطالبها، التي أرادت ضبط الفعل السياسي، ولجم القوة العنيفة، بالقانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان.
وكل ذلك يتيح الدعوة إلى نقاش عام هادئ ومتوازن، يتضمن مراجعة الخطاب الشعبوي وما أنتجه من وعي مضر بالفلسطينيين وقضيتهم، والعمل على نشر وعي قانوني وحقوقي يرسخ عالمية القانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان ومرجعيتهما في العمل الوطني الديمقراطي الفلسطيني، وفي الدفاع عن حقوق الفلسطينيين وقضيتهم، ويرسخ في الوعي الفلسطيني أن حماية الإنسان، بصرف النظر عن هويته وانتمائه، قاعدة لا تتغير بتغير موقعه من الصراع. وهو وعي يساعد المساعي الفلسطينية لنقل الصراع من ميدان التفوق في القوة إلى ميدان الحقوق والمساءلة، والدفاع عن حقوق الفلسطينيين بوصفها حقوقا ثابتة لا تتوقف على قدرتهم على فرضها، وفهم أن الدفاع عن عالمية القانون والحقوق هو دفاع عن الشعب الفلسطيني نفسه.