
ثمنُ البقاءِ
إِنَّنَا غَالِباً مَا نَتَبَاهَى أَنَّ دِمَشْقَ أَقْدَمُ عَاصِمَةٍ مَأْهُولَةٍ فِي التَّارِيخِ، وَهِيَ كَذَلِكَ فِعْلاً، لَكِنْ أَيُّ مَعْنًى لِهَذَا التَّبَاهِي حِينَ تَتَحَوَّلُ الْمَدِينَةُ الْعَتِيقَةُ إِلَى خَشَبَةِ عَرْضٍ طَوِيلٍ مِنَ الانْهِيارِ؟
فَنَحْنُ الْأَقْدَمُ، وَهَذَا مَا يَقُولُهُ مَنْطِقُ الْحَيَاةِ، وَمَعَ ذَلِكَ نُحَاصَرُ بِالْعَشْوَائِيَّةِ وَالتَّخَلُّفِ وَالْوَجَعِ وَالْقَتْلِ وَالدَّمَارِ وَالْهَلَاكِ، حَتَّى يَغْدُو الْيَاسَمِينُ الدِّمَشْقِيُّ غُبَاراً عَلَى ذَاكِرَةٍ مُتْعَبَةٍ… فَهَلْ هَذِهِ هِيَ دِمَشْقُ حَقّاً؟
وإِذا كانَ لِدِمَشْقَ أَنْ تُجِيبَ، فَلَمْ تُجِبْ بِالْكَلَامِ… بَلْ بِالْمَشَاهِدِ الَّتِي تَمُرُّ فِي شَوَارِعِهَا كُلَّ يَوْمٍ.
رَجُلٌ يَسْتَعِدُّ لِيَبْسُطَ خُبْزَهُ عَلَى رَصِيفٍ يَتَرَنَّحُ بَيْنَ الْحَيَاةِ وَالسُّقُوطِ.
مُذِيعَةٌ تِلْفِزْيُونِيَّةٌ تَتَمَنَّى لِمُشَاهِدِيهَا أَوْقَاتاً جَمِيلَةً، وَصَوْتُهَا يَمُرُّ فَوْقَ وَجَعٍ لَا تُسْمِعُهُ الْكَامِيرَا.
طِفْلٌ يُوَاجِهُ جُرَعَاتِ السَّرَطَانِ، كَأَنَّهُ يُصَارِعُ جَسَداً يَنْهَشُهُ مِنَ الدَّاخِلِ.
أُمٌّ عَلَى كَتِفَيْهَا بَيْتٌ يَتَمَاسَكُ بِصُعُوبَةٍ، وَفِي عَيْنَيْهَا دُمُوعٌ لَا تَمْلِكُ رَفَاهِيَّةَ السُّقُوطِ.
وَأَبٌ أَحْنَتِ الْأَيَّامُ ظَهْرَهُ قَبْلَ أَوَانِهَا، يَدْفَعُ مِنْ عُمْرِهِ ثَمَناً لِيَمُرَّ يَوْمٌ آخَرُ بِسَلَامٍ.
قِطَطٌ تُمَزِّقُ بَعْضَهَا بَعْضاً فَوْقَ عَظْمَةِ دَجَاجٍ بِالْكَادِ تَكْفِي جَائِعاً وَاحِداً، وَكَأَنَّ الْغَرِيزَةَ فَقَدَتْ رَحْمَتَهَا.
عَاشِقَانِ يَنْزَوِيَانِ تَحْتَ دَرَجِ الْبِنَاءِ، يَتَهَامَسَانِ كَأَنَّهُمَا يَخْتَبِئَانِ مِنْ مَدِينَةٍ لَمْ تَعُدْ تَعْتَرِفُ بِالْحُبِّ.
وكأنَّ المشهدَ لم يكتملْ بعدُ، تَاجِرٌ يُبْرِمُ صَفْقَةً بِمَأْكُولَاتٍ مُلَوَّثَةٍ، كَأَنَّ الْمَوْتَ صَارَ جُزْءاً مِنَ الْعَرْضِ الْيَوْمِيِّ.
وفي لحظةٍ واحدةٍ… بَيْنَ صَدَى الْقُرْآنِ، وَصَرَخَاتِ السَّرِقَةِ، وَصَفَّارَاتِ الْإِسْعَافِ، وَحَفَلَاتِ الزَّفَافِ الْمُتْرَفَةِ، وَهَدِيرِ الْمُوَلِّدَاتِ، وَانْقِطَاعِ الْكَهْرَبَاءِ لِسَاعَاتٍ وَغَلَائِهَا، وَجُوعٍ يَبْتَلِعُ الْمَدِينَةَ… يَخْتَفِي الْإِنْسَانُ أَخِيراً.
وَلَا يَبْقَى مِنْ كُلِّ هَذَا إِلَّا مَدِينَةٌ تَمْشِي بِجَسَدٍ مُنْهَكٍ، وَذَاكِرَةٍ مَثْقُوبَةٍ، وَيَاسَمِينٍ يُقَالُ عَنْهُ كَثِيراً أَكْثَرَ مِمَّا يُشَمُّ…
ثُمَّ نَصْمُتُ جَمِيعاً، كَأَنَّ الصَّمْتَ هُوَ الشَّيْءُ الْوَحِيدُ الَّذِي لَمْ يَتْعَبْ بَعْدُ.
سَيِّدَاتِي سَادَتِي…
وَبَعْدَ كُلِّ هَذَا الصِّرَاعِ فِي الشَّارِعِ السُّورِيِّ، لَنْ أَقُولَ: تَحِيَّةً لِسُورِيَا…
بَلْ تَحِيَّةً لِلشَّعْبِ السُّورِيِّ، شعبٍ نجا من الحربِ، ومن الجوعِ، ومن الخوفِ، ومن الخذلانِ…
لكنهُ لم ينجُ يوماً من الوجعِ.