
عن المدرسة النقدية الحيوية – شهادات وانتقادات!

استكمالاً للسجالات الفكرية السابقة التي نشرتها نينار برس حول مشروع المدرسة النقدية الحيوية وبيانها التأسيسي – الذي أصدره حمزة رستناوي ومازن أكثم سليمان – ننشر اليوم هذا هذه الشهادة للأديب أحمد جدعان الشايب والتي جاءت في صيغة مقال نقدي.
أنا اطلعت على النظرية والفلسفة الوجودية، لكني لم أستطع تقبّل أو استيعاب بنودها، ما عدا بند تحفيز المرء على الانخراط في الحياة بفاعلية إيجابية. بالمقابل، اطلعت على البيان التأسيسي للمدرسة النقدية الحيوية، وكذلك مقايسة منشورة في صفحة المدرسة عن المسيحيين والسكان الأصليين، راجعتها مرتين لكي أفهمها وأشعر بامتلاكها كأفكار، فكنت سعيدًا بها، وقلت في نفسي إنها تحتاج إلى تبسيط أكثر لتنتشر عند المتعلمين والمثقفين.
– في الفقرة الثانية من البيان (سؤال القصور، والمثقف النقدي الحيوي) تقرر المدرسة النقدية الحيوية، أن الكينونة الاجتماعية تميل إلى الخمود والتصلب الذاتي بمجرد انعزالها عن محيطها الحيوي.
فكيف إذا لم يكن محيطها حيويا؟ وعزلت نفسها طوعا لأن محيطها فيه قصور عبر قرون عديدة، ما يجعل البيئة نابذة للحيوية أصلا، ويكون أعظم اهتماماتها ميلها نحو التقوقع والانعزال والعنف الهمجي؟
لا يمكننا صبّ لومنا وعتبنا على أي كينونة اجتماعية لا تتلاءم بشكل مناسب وتام مع محيط منغلق أصلاً. في هذا النحو، يكون الدور الأهم لمدى انفتاح البيئة الاجتماعية على الثقافة الحرة، أو تنوع الثقافة والحرية معاً، أو العكس، بمعنى أن الثقافة المنفتحة، تغدو حافزاً هاماً لأي تجمع إنساني، واندماجه بفاعلية إيجابية منتجة.
– في فقرة السؤال (ما الحيوية؟) أرى أن المدرسة النقدية أغفلت قيمة عالية جداً، هي أساس في أي تقيم لفئة او فكرة أو تجمع، وهي (المعرفة) كقيمة نسبية تزداد وتنقص طرداً مع توفر أدواتها لتشكل أساساً للجوهر، أو عاملاً مهماً لتكوين بنية ما.
على كل حال، كلما زاد حضور المدرسة النقدية الحيوية وتكرارها، أحبها الناس واهتموا بميزانها العادل، ويُحفزني معلمنا أبو العلاء المعري، حين اتهمه بعضهم بعدم استطاعة الناس حفظ واستيعاب شعره وفكره بينما غالبهم يحفظون القرآن الكريم بسهولة، فقال: (من كثرة ما بردته الألسن لمئات القرون كل يوم، بدا لنا أن القرآن سهل للقراءة والحفظ).
ما تزال النقدية الحيوية في بداية نشأتها، وتحتاج إلى اهتمام أكثر وتفرغ لدراسة العديد من التوجهات والتجمعات الفكرية والحزبية والدينية، وكذلك الأفعال والسلوكيات الإشكالية.
فلو تأملنا نظرية الشك والكوجيتو، حين طرحها مؤسسها ديكارت وهو يحسب أنه يقدم أعظم خدمة علمية للمجتمع والحياة، لكنه خائف، بل مرعوب من الملك، ومن المهرطقين في الكنيسة، ومع ذلك قدمها، لثقته بقدرتها على تقدم المجتمع فكرياً، فانهالوا عليه شتماً وتهديداً بالقتل والحرق إن لم يسحبها وينقضها كلياً، فتراجع عنها وفي الخفاء، استمرت تتفاعل بين مريديها من الناقمين على سطوة الكنيسة. فلتستمر هذه المدرسة التنويرية، ونحن اليوم في القرن الواحد والعشرون، وكم نحن بحاجة إلى هذا نمط من الفكر الإنساني النقي. المدرسة النقدية الحيوية، فهي فكرة ومشروع فلسفي واعد في حال تم الاشتغال عليه بشكل مستمر لإثبات حضوره في الأذهان وعدم نسيانه. وآمل أن ينتشر عربياً، وقد يكون له دور فاعل في تعزيز التفكير الإيجابي الفاعل في الحياة.